سهام الكرمي: المجتمع اليوم

كان المجتمع العائلي العربي فيما مضى أي قبل نصف قرن أو يزيد، واضح المعالم سهلاً لا لبس فيه. فكان الرجل هو رب العائلة والمرأة مسؤولة عن البيت والأولاد ضمن حدود العائلة تتلقى الإرشاد من الزوج فيما يخص تفاصيل العلاقات مع الأسر الأخرى والمجتمع عامة. ولم تنشأ الخلافات بين الزوجين إلا عندما كان يتعدى أي منهما على دور الآخر أو عندما كانت الزوجة تنتمي إلى عائلة منعمة يفوق دخلها دخل الزوج. فكان لزاماً على الزوج إما أن يرضخ مرغماً ويتقبل الوضع شاء أم لم يشأ وإما أن يرفضه كلياً ويفرض على أهل زوجته عدم التدخل في مجرى حياته الزوجية فهو قادر على توفير ما يلزم لأسرته دون مساعدة منهم وهذا يتطلب قوة شخصية ومنظوراً واضحاً وثابتاً من الزوج . هناك طبعاً من الأزواج من قد يرفض ذلك الوضع المشين ولكنه يقبل به لاعتبارات اقتصادية بحته وهنا تظهر الخلافات بين الزوجين وتستفحل الأمور وقد تنتهي بالقطيعة وربما الطلاق.

تطور المجتمع العربي حسب مقتضيات النمو الطبيعي للمجتمعات فأصبحت المرأة تتلقى التعليم ومن ثَم تنخرط في العمل وتحصل على الدخل أسوة بالرجل. وعندما تقترن بالرجل يبقى الخيار.. هل تترك العمل أم تستمر فيه؟ وهذا يعتمد على عوامل عدة: رغبة الرجل في الإبقاء على مقامه كرب العائلة وبقائه القوام على المرأة وباقي الأسرة، أو يرضخ لمتطلبات الحياة التي تجبره على الاعتماد على دخل الزوجة العاملة بالرغم من شعوره بأن ذلك ينتقص من رجولته. في كلتا الحالتين يظل الرجل مهيمناً على المرأة: في الحالة الأولى برفضه للسماح لها بالعمل وبقائها تمارس مهمتها الأصلية من رعاية للبيت واحتياجته وتربية الأطفال الخ.. وأما في الحالة الثانية يقبل بمشاركتها في زيادة دخل العائلة ولكنه يتوقع منها القيام بواجب الزوجة التقليدية، حتى أن بعضهم يصر على الاستيلاء على مرتبها على اعتبار أنه رب الأسرة والمسؤول عن الإنفاق عليها متناسياً أن جزأ كبيراً من هذا الدخل هو من جهد الزوجة. كانت هذه مرحلة من التركيبة الاجتماعية التي سادت الثمانيات ومابعدها من القرن الماضي.

نحن الآن في مرحلة جديدة حيث أصبح لزاماً على المرأة أن تعمل لتدعم دخل زوجها، حتى أن الشاب عندما يقدم على الزواج يبحث عن عروس تعمل ولها دخل مناسب. ومهما عظم  دخل الزوج أو صغر لم يعد كافياً ليوفر للأسرة حياة كريمة ويفي بكل متطلباتها في هذا العصر الذي يتوقع النشأ فيه من الوالدين توفير جميع أساليب التسلية من هواتف جوالة وأجهزة كمبيوتر وتلفزيون بكل القنالات الترفيهية عدا عن الرحلات في القطر أو حتى خارجه أثناء العطل. مضى الزمان الذي كان النشأ يسرحون ويمرحون مع أولاد الجيران والأقارب ولم يتوقعوا أكثر من ذلك.

أهيب بفتيات وفتيان اليوم أن يتقبلوا واقع مجتمعهم الذي يملي على الأسر وضعاً اقتصادياً جديداً يعتمد على دخل الزوجة بالإضافة إلى دخل الزوج ليهيئ للعائلة كل أسباب الحياة الحديثة. لذلك على شبابنا وشاباتنا أن يعوا هذا الوضع الجديد ويتعاملوا معه متوخين العدل والواقعية فيتقاسما الواجبات طالما أنهما قبلا بتقاسم المصاريف الحياتية فيتعلم الرجل الطبخ والكي وباقي المهام المنزلية فضلاً عن رعاية الأولاد بينما تتوقف الزوجات عن التفكير بأن مرتبها هو حكر عليها تحتفظ به لمصروفاتها الخاصة، بل تقاسم العائلة العبئ في المصروف أسوة بالزوج الذي يشارك حياتها.. وعلى الإثنين أن يتقاسما بالعدل العلاقات الاجتماعية فلا يمضي الزوج في حياته فيخرج مع رفاقه تاركاً زوجته بمفردها والتي بعد زواجها لم تبق على علاقاتها النسوية كما كان الحال في الماضي. ولا هي  تترك زوجها مع الأولاد لتلتقي برفيقات الصبا وقريباتها في العائلة. بل تجري الأمور حسب الاتفاق بصراحة ووئام.