هيلا ذات الوجه الصبوح: شادية الأتاسي

هيلا ذات الوجه الصبوح,

بقلم شادية الأتاسي,

حين سمعت ، صوت هيلا المتهدج ، هذا الصباح ، يأتي عبر المسافات ،بكيت كأنني كنت أنتظر صوت هيلا القروي الرتيب ، يأتي من ماضي ابتعد في الزمن ،لأعي بعمق كم ابتعدت أنا أيضا في الزمن ، الذي انقسم الى ماقبل والى مابعد 

كان صوت الزمن يعلو في قلبي محاذرا 

كنت أبكي في هذا الصباح ، الشام ، وبيتي ، وأحبائي

ست سنوات مضت ، منذ رأيت هيلا آخر مرة .في بيتي في دمشق 

بحثت عنها طويلا ، حاولت الاتصال بها ،لمعرفة أخبارها ،وفي كل مرة كنت أفشل ،وكأن الأرض انشقت وابتلعتها 

من هي هيلا

هي هيلا ذات الوجه الصبوح 

هي ابنة الجولان 

قوية كنخلة سامقة 

سمراء من أرض بلادي 

إمراة شجاعة ،حملت في جسمها الشاب القوي ،أعباء تسعة أطفال وهي لاتزال في ريعان الشباب ،وأعباء بيتي ، وكثير من البيوت تأتيني في الصباح ،إطلالتها محايدة ،و ابتسامتها موردة ، ورأسها مرفوع ، وحدها عينيها الكابيتين ، تفضح سر ليلها المؤرق الطويل ، مع مايسمى /زوج / منحرف ، يفرغ على جسدها الشاب ، كل ما حمّلته الحياة من تهاويم خيبات وقهر وفشل ، أدمن الشراب ،وأدمن ضربها ،يغفو الصباح ولا يغفو هو .

مع كؤوس الشاي الساخنة ، وصحون المكدوس والزيت وزعتر والجبن البلدي ،كنا نتحدث ، وكثيرا ماكنا نضحك ، روحها مرحة ، و توقها عارم للحياة ،استسلامها كامل إلى قدرها ، وكأنها جاءت إلى هذه الدنيا لتعيش ، فقط هذا النوع من الحياة ، كانت تسخر من آلامها ، تضحك وهي تشرق بدمعها ، وهي ترسم لي صورة كاريكاتورية لزوجها العاطل عن العمل ، ينتظرها كل مساء ،يأخذ ثمن تعبها ،ليعبه خمرا رخيصا ، ويأوي الجميع دون عشاء

أعترف أنني حاولت مرارا ،أن أذرع في نفسها روح التمرد ، أن أبذر بدأب شيئا من الشك في نظرتها الساذجة للحياة ، أشرح لها أن الحياة لا يمكن لها أن تعاش بهذه الطريقة ، أن تترك هذا الرجل وهذا الوحل ، وتنجو بنفسها وأولادها ،ولكنها كانت تجيبني باستهجان بلهجتها المحببة ، كما في كل مرة ، 

– ووين أروح أنا 

-ولكنك تعملين

– هوي زوجي ، الناس شو يكولون عني

– لكنه يضربك ، ولا يعمل ، وليس رجلا ،ولا يهم ماذا يقول الناس 

– هوي زوجي كيف اتركوا ،كل الأزواج يضربون نسوانهم ، أبوي كان يضرب أمي ، واخي كمان ،وابني المتعلم ممكن يسوي هيك 

سألتها مرة وماذا يفعل ابنك الشاب حين يضربك زوجك في بيت ، من غرفتين وتسعة أولاد, وكان جوابها الغريب ، صفعة قاسية من القهر ، لا يفعل شيئا ، يغلق الباب على نفسه ،ويشعل المذياع على آخره، كي لايسمع صراخي 

المرة الوحيدة التي رأيتها تثور فيها على زوجها ،حين أجبر ابنه المتفوق في دراسته على ترك المدرسة ، ليعمل اجيرا في مكان ما ، ثارت وقتها وهددت ، فعلت المستحيل ، أقامت الدنيا ولم تقعدها ، ليذهب تعب الإبن كما الأم ، ثمنا لليالي تسكب بها الخمرة ، في روح انسان محطم القلب والروح 

وهذا الابن المجتهد، تابع الدراسة وهو يعمل أجيرا ، ودخل الجامعة قسم الحقوق،وكان من الأوائل على دفعته

هيلا القوية كنخلة ، أخبرتني اليوم ، أنها استلمت من الجامعة ، شهادة الحقوق لابنها المتفوق ، منذ أيام 

ولكن هيلا النمرة الجريحة ، أخبرتني أيضا ،أن هذا الابن الشاب ، المتفوق ، قد قضى غرقا،مع زوجة أخيه الحامل ، وأطفالها الأربعة ، وخمس وأربعون آخرون ، في أحد المراكب المطاطية ،المنتشرة في عرض البحار ،لالتقاط أولئك الهائمون ،الباحثون عن سقف ووطن قضى غرقا ، وهو يحاول اجتياز الحدود البحرية ، بحثا عن مستقبل مجهول ،و هربا من مصير ،لم يكن له فيه خيار ،إما أن يكون قاتلا أو أن يُقدم قربانا رخيصة ، ليعيش الآخرون 

هذا ماقالته لي هيلا الشجاعة في هذا الصباح 

كان صوت هيلا المذبوح مازال على الطرف الآخر ، حين امتد أمام ناظري فضاء واسع ،يعوم فيه بحر ،حشرجت أنفاس أمواجه ،مع آخر زفرات أولئك الذين كانوا منذ لحظات يحلمون  حلما قد يكون جميلا.