نساء الأنقاض من ألمانيا إلى سوريا

سلام أبو شالة – صوت سوريات

لا تزال النُصُب التذكاريّة في المدن الألمانية الكبرى تُذكِّر المارّة بعزيمة ما سميت آنذاك ب “امرأة الأنقاض” رمز آلاف النساء الألمانيات اللائي أزلن الأنقاض في المدن الألمانية المُدمّرة بعد أن خمدت نيران الحرب العالمية الثانية.

 قامت مهمة إزالة الأنقاض بعد الحرب على عاتق شركات البناء التي عقدت صفقات تجارية مع المدن الألمانية؛ لكن نتيجة النقص الحاد في أعداد الرجال في تلك الفترة، ظهرت حركة نسائية لتشجيع النساء الألمانيات على المشاركة الفاعلة في تلك الحملة؛ وقد لاقت ترحيباً وقبولاً واسعاً من قبل النساء الألمانيات المكلومات على ما حلّ بهن وبأبنائهن وبأزواجهن وبأقاربهن، فقد وجدن في العمل ضالّةً تُعيد لهن الأمل بعد ما فقدنه بسبب الحرب.

 إنطلقت الحركة من برلين حيث شاركت 60 ألف امرأة في إزالة انقاض المدينة.. ما يُعادِل إزالة 400 مليون متر مكعب من الأنقاض. إنتشرت الحملة في كافة ألمانيا حتى وصل عدد المشاركات إلى 80 ألف إمرأة، هدفهن الأول هو التخلّص من الحطام المكدّس في الشوراع، فقمن باستخراج الأحجار السليمة من بين الأنقاض لإعادة استخدامها مرة أخرى في عمليات البناء، ثم حملنَ الحطام لتجميعه على هيئة جبالٍ حتى يتمّ نقله فيما بعد إلى خارج المدن.

أدى نجاح الحملة إلى إصدار قرار ما بين عامي 1945- 1946م  يشمل جميع الإناث اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 15 – 50 عاماً للمشاركة في أعمال الإزالة مقابل إعطاءهنَّ حصةً أكبر من المواد الغذائية.

وخلال فترة لا تتجاوز الـ 9 أشهر تمّ تكسير حطام ما يُقارِب من 18 مليون مبنى، وتحويلهم إلى 750 ألف متر مكعب من الأتربة، تمّ تجميعها على هيئة جبال في كل أنحاء ألمانيا؛ وبذلك تمكّنت المرأة الألمانية من المساعدة بالجهد الذي تستطيعه في إعادة بناء وطنها.

تمَّ كلُّ ذلك بسواعد النساء الرقيقة وأصابعهن الرهيفة؛ وبأدوات بسيطة؛ بدائية للغاية؛ انحصرت في فأس ومجرفة حديدية وعربات يدوية من الخشب صنعنها بأنفسهن.

التاريخ القديم والحديث مليءٍ بالمواقف التي تُثبت أن إرادة المرأة موجودة وحاضرة.. ولا ينقص المرأة السورية العزيمة والإرادة وهي التي تُعيل أغلب الأسر حالياً بحسب تقرير للأمم المتحدة.

المرأة السورية التي فقدت الأهل والعائلة والمُعيل والابن والابنة، حيث لا يوجد اليوم أسرة سورية لم تفقد فرداً من العائلة على أقل تقدير. ولدينا اليوم الكثير من الجَدَّات السوريّات يقمن بتربية أحفادهن بعد أن فقدن الأم والأب.

وحسب احصائية “الشبكة السوريّة لحقوق الانسان” شهر آذار 2017 بلغ عدد الضحايا من الإناث 23,502 ألف امرأة، وأن 12,987 ألف إمرأة فارقن الحياة تحت التعذيب في معتقلات نظام الأسد، وعدد من قضى من الأطفال 24,799 ألف طفل، وأن7571 امرأة مختفين قسرياً.

تأقلمت المرأة السورية مع ظروفها المريرة قبل الثورة وبعدها؛ وانتصرت على الحياة القاسية في المخيمات واستطاعت أن تتعلم لغة جديدة في تغريبتها؛ وتتعلّم مهنة لتحصل على العمل في دول اللجوء لإعالة أسرتها.

ليس لديّ أدنى شكٍ.. بأن المرأة السورية تستطيع أن تساهم في إعادة بناء سوريا من جديد بعد أن دمّرها نظام الأسد وآخرين معه.