منصورة قويومجي: يسكنني حلم

يسكنني حلم،

يتحرك بداخلي كجنين في رحم كياني، ويحركُ أشجاني وهواجسي، يؤرقني ويتخبّطُ في أوردتي وشراييني، يبحث عن بصيص من النور ليخرج إلى الحياة. أرقد قي زاويتي على درج المدرسة المهجورة، وأراقب أترابي وهم يلعبون ويلهون، وينأى بي حلمي عن مزاولة طفولتي، لأنَّ طفولتي تركتها هناك على مقعد مدرستي في قريتي التي كانتْ تغفو بسلام على سفح الجبل في مدينة حمص فاجتاحها غولٌ قطع عنق سكينتها وأمنها وأمانها، لكنَّه لم يتمكن من الوصول إلى فؤادها، الذي توارى بين ضلوعها. قالت ليَ معلمتي ذات ربيع وهي تسلِّمُني شهادة النجاح في نهاية المرحلة الإبتدائية: ( أُمنية .. حبيبتي سيكون لكِ شأنٌ عظيم في المستقبل) ..

كان آنذاك تقديري ممتاز. ولكن .. كيف يا معلمتي سيكون لي ذلك الشأن في مستقبلٍ لجأنا فيه إلى ديارٍ ليست ديارنا، أهل تلك الديار أوونا في مدرسةٍ على طرف المدينة، طلابها يقضون عطلتهم الصيفية وسيعودون في الخريف، وسنغادرها لنسلك طريق الرحيل البائس مرةً أُخرى. يسكنني حلمٌ محفوفٌ بالآمال وبعيونٍ تنظر إلى الآفاق، فأنا وإن كنت لازلتُ غضةً، فجناحاي تجيدان الطيران كطائرٍ لا يعترف بحدود الزمان أو المكان، ولا يفقه أن يأسره ظرفٌ طارىء، فالحياة تمرُّ بمرحلةٍ ما بأنفاقٍ مظلمة تكون معبدةً بالمصاعب، لكنَّ بصيرة الأمل تُجزمُ بأنَّ آخر تلك الأنفاق شلالٌ من الضياء. جاء يوم الرحيل الثاني الحزين، وأقلَّتْنا حافلاتٍ إلى مخيمٍ يفتقر إلى أدنى مقومات العيش الإنساني، لكننا لم نكن نملك أيَّ خيارٍ آخر، أقصى أمانينا أن نجد ملاذاً بعيداً عن هول الحرب. مُعلِّمتي يامن رسمتِ أجمل قولٍ مأثور في طيّاتِ قلبي، فبنى جداراً عازلاً بيني وبين الشعور بالقُنوط، وجنين الحلم ينمو ويكبر في رحم أعماقي، يُشعلُ ابتسامات ثقةٍ على ثغري لن تنطفيء، طالما تنبض الروح بجسدي. استقرينا في خِيمنا وبدأنا نعتادها كمنازل لنا، فالإنسان حباه الله بقدراتٍ عجيبة ليتكيَّف مع أصعب الظروف، وإن كان البعض منّا يهوي إلى منحدر الاستسلام ويتوهَّمُ أنه لا يملك القدرة على التحمّل. أخذ الجنين يتحركُ في داخلي ويحركني، وجافاني النوم طويلاً وأخذتُ أتقلب في مخدعي ذاتَ اليمين وذاتَ اليسار، وصرتُ أخرج إلى باحة خيمتنا وألتقي بالنجوم، وأسرُّ لها عن حلمي، فيراودني شعورٌ بأنها تبتهج لسماعي وتمسك بي لأصعدَ إليها، وأرى الدنيا من زواياها المختلفة، ويوماً بعد يوم ترسّخ في داخلي إيمانٌ بأنَّ لاشيء مستحيل. وذاتَ صيف حار، استيقظتُ وأنا أذخر بالعزيمة، بعد ميلاد حلمي بمخاضٍ على مرأى النجوم في ليلةٍ قمراء. خرجتُ من خيمتنا وأخذتُ أبحث عن شيءٍ يشبه لوح المدرسة بينَ النفايات، فوجدتُ قطعةً كبيرةً من الكرتون، قمتُ بتنظيفها ثمَّ علقتها على جذع شجرة، وبدأتُ أرتِّبُ المكان كصفٍ في المدرسة، فرشتُ الأرض بغطاءٍ نظيف، وعندما انتهيت من الإعداد، كتبتُ على اللوح: الدرس الأول. أخذتُ أجول على أطفال المخيم، وأدعوهم للعبة بناء المستقبل، وكم كانتْ فرحتي كبيرة عندما استجابوا لي وأخذوا يهرعون إلى صفّي يملؤهم الحماس، وبدأنا معاً ببناء الأنفس، غير عابئين بما يحيط بنا من سلبيات. لم يأخذني الأهالي على محمل الجدِّ في البداية وكانوا ينظرون إلى إنجازي على أنّه لعبة طفلة تقلِّد معلمة المدرسة ليس إلاَّ، ولكن عندما أخذ حلمي يجدُ طريقه إلى النور ويثمر ويصبح حقيقةً، عندما بدأ الأطفال يقرؤون ويكتبون، أصابتهم الدهشة والإعجاب بأنٍ معاً. أخذوا يشجعونني ويلتفّون حولي، واستطاعوا أن يحصلوا ليَ على خيمةٍ من ادارة المخيم لتكون أول مدرسةٍ لأطفاله. أنجبتُ حلمي الأول وأنا في العاشرة من عمري، وصار يكبر يوماً بعد يوم، وفوجئتُ ذات صباح بحضور صحافيةٍ وأجرتْ لقاءًٍ معي، ومن دون أن أدري ذاع صيتي، ولم يكن بحسباني الشهرة، ولكنَّ جدول نور الأمل لا يجذب إلاَّ ضياءً ينسكب بين ضفتيه، فيتوسع مجراه ليصبح نهراً .. ثمَّ بحراً.

كان حلمي الثاني قد بدأ يتحرك في أعماقي، يؤرقني ويتخبَّطُ في أوردتي وشراييني، يبحث عن طريقه ليخرج إلى النور، فكياني رحمٌ للأحلام التي لاتهدأ حتى تجد دروبها إلى الحياة. أنا لستُ بطلة قصة نُسجت خيوطها من الخيال، أنا شخصية حقيقية لكنها منسوجةٍ من خيوط الأمل الحريرية، شخصيةٌ تسكنها الأحلام، وتتعلق بها بحبل سرةٍ يغذيها بالإرادة والتصميم، ليكتمل بدرها ونورها في سماء الحياة. ومازال الحلم يسكنني.. وسيبقى كياني رحمه وسكنه..