منصورة قويومجي: شجرة الزيتون

اسمي فرحة وليس فرح لأنَّ أمي تقول أنني فرحتها لوحدها، أو أنني فرحتهما ووحيدتهما لأمِّي ولأبي .. أبي .. أبي الذي مازال هناك في قريتنا مع شجرة الزيتون يتربع على قمتها، والذي آثر أن يبقى ليحرسَها إلى أن نعود. وكان ليَ من إسمي نصيبٌ، فأنا وعلى الرغم من أنَّني أعيش اليوم في المخيم وقد قاربت على السابعة عشر من عمري، يغمرني الفرح ويحيطُ بي ويبعث فيَّ الأمل، ويرسِّخ إيماني بأن نور الحياة يطغى على ظلامها ولو بعد حين، وبأننا بعثنا لنحيا أحراراً. بدأتْ حكايتي مع بدء الثورة، وكان عمري وقتها عشر سنوات، قضيت سنوات عمري العشر بين عزٍّ ودلال، همِّي الأكبر لون فستان لعبتي، وترتيب أدوات مطبخي الصغير، فأنا لم آتِ إلى هذه الدنيا إلاّ بعد سنواتٍ من الإنتظار المضني، أمضياه والديَّ وهما يتحرّقان ليكون لديهما خلفاً، ولم يفلح أي علاج تلقياه، فلجأا أخيراً إلى الأنبوب، لأكون أنا طفلتهما الأنبوبية، فلم تسعهما الدنيا فرحاً بقدومي، خاصةً وأنَّهما عاشقان تزوجا بعد سنوات من الحب الرائع. عندما بلغتُ الخامسة من العمر، أحضر لي والدي هديةً رائعة، يومها ناداني من حديقة بيتنا الجميل قائلاً: فرحتي أغمضي عينيكِ وتعالَيْ.. فامتثلت لطلبه وسرتُ إليه مغمضةَ العينين، ولمّا وصلت، قال: افتحي عينيكِ !! ففتحتهما لأجد شتلةَ زيتونٍ صغيرةٍ، أخبرني أبي أنّ عمرها خمس سنوات كعمري، وأنني وإياها سنصبحُ توأم. ثمَّ قمنا بغرسها في تربتنا سويّةً وسط احتفال عائلتَيْ أمي وأبي، وأخذتُ أُزيّنها وأضعُ لها شرائطي وملاقط شعري الملونة، كانتْ سعادتي بتلك الشتلة من نوعٍ آخر، لأنّني كنت أشعر بأنَّها غُرِستْ في أعماقي، ومن يومها أصبحتْ علاقتنا بشتلة الزيتون التي صارت شجرة بعد وقتٍ قصير، أصبحت تلك العلاقة لها سحرٌ خاص. قامت الثورة وقامت معها القيامة، وقريتنا الحلوة أنخل كان لها النصيب الأكبر من القصف الذي خلّف دماراً وعدداً كبيراً من الشهداء، أخذ ابناءُ قريتنا يهربون من شبح الموت الذي داهمهم على حين غرة، وجرتْ الأمور بسرعة غريبة، ولازلتُ اذكر يدَ أمّي وهي تشدُّ على يدي وتركض بي، وأمامها وخلفها أناسٌ هلعون، وجدتيَّ وجدّاي وبعضٌ من أقاربنا، الكل يركض وفي كل الإتجاهات، وسط غبار ورمال خلّفهما دمار البيوت، أخذتُ أصرخ وعيناي معلقتان بشجرة الزيتون، وأقول: وأبي .. أمي وأبي ؟؟ أين أبي ؟؟ أرجوكِ يا أمي .. لماذا لاننتظر أبي؟؟ أجابتني أمّي والغصّةُ تكاد تخنقها: (سيلحقُ بنا لاتخافي .. سيلحقُ بنا) .. لكنَّه لم يلحقْ بنا. بقينا نسير تارةً ونركض تارةً أخرى إلى أن اعيانا التعب، وبعد أنْ قطعنا الحدود إلى الأردن، ارتمينا كالأموات في العراء وغرقنا في نومٍ عميق. لمْ أكدْ أغفو حتى رأيتُ أبي في الحلم، رأيته واقفاً معي أمام شجرةِ الزيتون وهو يمسح على جذعها بحنان، فيسري ذلك الحنان في كياني انا أيضاً، ثم عانقها وقبَّلَها فأحسستُ وكأَّنه يعانقني ويقبلني أنا. بعد برهة أخذت شجرة الزّيتون تتطاول حتى وصلت إلى عنان السماء، فأخذ والدي يتسلقها ويبتعد شيئاً فشيئاً، ثمَّ انساب في عمقِ الغيوم ، وأنا أصرخ: أبي .. أبي لا تتركني وحيدة، أبي .. أبي .. فلوَّحَ لي بيده مودعاً وهو يقول : اعتني بشجرة الزيتون توأمك .. أخذت اصرخ وأبكي وأنادي أبي، لكنَّ صوتي كان يتلاشى في الأفق. صحيتُ على صوتِ أمّي وهي توقظني: (فرحة .. فرحة .. حبيبتي مابكِ..) .. كان العرق يتصبّبُ منْ جسدي كله، والدموع تملأُ وجنتيَّ .. لم أجبْ أمي ولم أخبرها عن حلمي، أخذتُ نفساً عميقاً وحاولتُ أنْ أستردَّ أنفاسي.. وبعد أن هدأتُ قليلاً سألتُها: أمّي .. أين أبي؟؟ .. أطرقت برأسها إلى الأسفل وبحزن عميق أجابتني: أبوكي يا فرحة استشهد.. أخذتُ أبكي بمرارة، وأحسستُ بأنَّ سنواتٍ قد أُضيفتْ إلى عمري، وبأنّ الزمان قد قطعَ بيَ عقوداً فشعرت بضآلة السنين أمام مصيبتي.. نظرتْ أمّي إليَّ وأخذت تحدق داخل عينيّ ثمَّ أشرقَ وجهها وقالت: عيناكي الجميلتان يا فرحة كحبتي زيتون خضراوين.. التفتُّ ناحية قريتنا وقلتُ: ( هذا زيتون أبي يا أمّي، وسأعود إلى شجرةِ الزيتون توأمي، ونزرع شجرالزيتون من طرحها في كلِّ البلد). ومازلت انتظر ذلك اليوم وظنِّي بالله بأنَّه آتٍ لامحالة.. آتٍ لامحالة ..