مايا عبارة : جدلية البقاء و الرحيل

من المؤكد أنه لا يمكن المقارنة بين من يعيش في أمن و هدوء و بين من يعيش في قلب المخاطر و في عين الردى. كذلك لا يمكن أن تقارن من أصبح محروما من وطنه، لايراه إلا في الصور، و بين من يشعر بتجذّره فيه و يستطيع أن يردّ ببرود على ذلك المسافر أو المهاجر أو اللاجىء بأنه هو الأكثر إخلاصا و حبا و تعلّقا به.

الوطن الذي قد يكون مزعوما لدى البعض ، فهو ليس أكثر من أملاك و شركات و أراضي ، يستطيع التفريط بروحه و لكن ليس بها . و الوطن الذي قد يكون بمثابة الروح لدى من غادره لكنّ خوفًا أكبر جعله يخسر كل شيء مقابل أن يمتلك ما تبقى له من أمل في الحياة.

آراء و مقارنات كثيرة و مخاطر أكثر تدعو الى تلك المهاترات اليومية، كالجدال الدائر باستمرار على تاريخ الخامس عشر أو الثامن عشر من آذار و كأن الحرب انتهت و لم يبق سوى تدشين الشوارع و المدارس بهذا التاريخ او ذاك . كذلك الحال بين من بقي في الوطن و من ارتحل، لا هذا استقراره تام و لا ذاك رحلة رحيله انتهت أو ابتدأت.

مقارنات بين من لديه أطفال غادر خوفا عليهم و بين من لا يعيل أحد . المتزوجة التي قرارها بيد زوجها و تلك العازبة التي تمتلك زمام قرارها في كل شيء حتى في الرحيل و البقاء. مقارنات بين المهن الخطيرة و الأقل خطورة و ما يمكن أن يتعرّض له شخص بسبب مهنته . بين أخلاقيات المهنة الانسانية للأطباء و بين حجم الخطر الذي يحيق بهم . فهذا يقول أنتم تركتم البلد بلا طبيب و تملّصتم من إنسانيتكم و الطبيب يقول إن عالجتُ جريحا من هذا الطرف فأنا معرّض للاعتقال و التعذيب من الطرف الآخر و إن عالجت مصابا من الطرف الآخر أنا مُعرّض للخطف و القتل من الطرف الاول . و كلاهما ربما على حق . هذا يحق له اللوم و ذاك يحق له الخوف على حياته .

بعض من غادر هو الآن ينعم بكل شيء إلا رؤية أهله و بلده .و البعض الآخر لا ينعم بشيء .. مرميٌ في مخيمات البرد و الجوع و الذل و القهر. و مع ذلك تتبعه الاتهامات القاسية بأنه خان وطنه و باعه و لم يعشق ترابه كفاية ليدفن فيه أطفاله و زوجته و أهله تحت رماد بيته ، بل تجده عرضة للاتهام بأنه هو من اختار هذه الحياة و فضّلها على بلاده التي (و إن جارت عليه عزيزة).

ينسى ذاك العاتب الشامت أو يتناسى أن هذا الشخص رفض أن يُقتل بالمجان فيصبح أولاده أيتاما بلا معين و رفض أن يتعرض ابنه للتعذيب و رفض أن تتعرض زوجته او ابنته لاصناف الإهانة و الأهم أنه رفض أن يَقتل أخيه أو أن يَسرق بيته و يبيع قطع أثاثه و ذكرياته في معارض بيع المستعمل الرخيص ليعيش في ما يسميه الآخر (وطن) فضّل العيش في العراء على ذلك . رفض أن يُسجن في أقبية معتمة و مجهولة و يُعذَب حتى الموت ثم لا يعرف أهله إن كان حيّا ليستمروا بالبحث عنه و دفع آخر قرش يملكونه فدية له أو ميتا ليدفنوا جثته و يزوّجوا زوجته لاخيه سترا لها و للأولاد.

هذا ما يدفع بإنسان ليبيع كل ما يملك ثمنا لرحلة قد تكون باعته مسبقا للموت في أحد البحار أو المخيمات . أنت يا من بقيت هناك و أنت تملك القوة و الضمانات بأن لا أحد سيؤذيك ..

عليك أن تصمت.  يحق فقط لذاك المعرّض للخطر أن يحاجج قاطني فنادق الخمس نجوم ممن ينظّرون عليه ما يفعل و كيف يعيش و من يقاتل و الى متى ينبغي أن يصمد أو متى يجب أن يستسلم و يسلّم أرضه و بيته .

هو جدل لا نهاية له 

لكن ينبغي أن لا يصبّ فيما فعله هذا و ذاك ، لكن فيما يقوم به الآن و ما سيفعله حقا – من أي مكان او بلد – ليستردّ احترام وطنه .. ليستحق أن يكون له وطن .