ماجدولين الرفاعي: دمشق نوبة حب لا شفاء منه

دمشق نوبة حب لا شفاء منه

خاص صوت سوريات, بقلم ماجدولين الرفاعي

سألني بكل بساطة: ألم يهزك الشوق لدمشق؟!

هزني سؤالك فأعشوشب الحزن فوق جدران قلبي مثل الطحالب على وجه بركة ساكنة، فالشوق إلى دمشق نوبة جنون تعاودني في كل حين، تقبض على قلبي، تعصره بقوة حتى ينز أبيض الياسمين، وتنزف من قلبي كل الأماكن حارة كما تركتها ذات غياب..

دمشق التي ودعتها آنذاك بيد واحدة لم تكن حزينة مثلي رغم حقيبة السفر التي كنت أجرها خلفي بكل ما فيها من انكسارات وشظايا أزمنة أقنعتنا بحلوها أن لا بحر يمكنه أن يضيف ملوحته لحلاوتها، فإذا بالبحر يبتلعنا دفعة واحدة ولايترك لنا من الخيارات الا التجديف إلى أقرب الشواطئ الموغلة بسكونها فيختفي الضجيج، والضوء، والدفء ورائحة الحياة، ونكهة الخبز التي جمعتنا حول مائدة الصفاء ذات وطن بعيد..

هو الاغتراب إذا، نقسم أن لا يد لنا فيه، ولكن لنا ألف يد في الشوق الذي يمتد مثل حبل سري ما بين بين برج ايفيل وساحة الأمويين، بين نهر الراين وبردى، بين قمة هملايا وقاسيون، بين توليب هولندا وياسمين الشام، بين كرواسان مقاهي الريفيرا وخبز التنور في الفحامة، بين الماء المكرر في هذه البلاد، وبرودة ماء نبع الفيجة، ما بين المحطات الفاخرة في كل عواصم الدنيا ومحطة الحجاز بقطاراتها المتآكلة، ومابين ليالي الأنس في فيينا وليالي دمر والهامة…

هي قصة حب أزلية حولتنا إلى شعراء نكتب بالتنهدات معلقاتنا ثم نحولها إلى زوارق ورقية نلقي بها في سواقي الحنين لعل يد الحب تعلقها فوق جدران التاريخ، سيقول الغرباء، ” من هنا مرّ عشاق دمشق “.

أمازلت تسألني عن الشوق إلى دمشق وأنت ترى كيف حفرنا اسمها بكل اللغات فوق كل جدار في الغربة، واستحضرنا حاراتها وازقتها إلى منفانا الثلجي، هنا باب توما، والميدان، والشعلان، والصالحية وباب سريجة…

يضحك أحدهم ويقول بإعجاب كبير: ستغلقون أوروبا بأبواب دمشق….

هانحن على بعد سنوات من الغياب مازلنا أوفياء للشام ولضجيج مقاهيها واسواقها وعراقتها وروح الحياة المنبعث من أصغر منمنماتها، فمن لا يتوق إلى سوق الحميدية بازدحامه وأصوات باعته على الأرصفة، من لا يتوق لزيارة المسجد الأموي، والبزورية من لا يتوق لشرب الماء المثلج من أحد السبل الموزعة في كل شارع، من يمكنه أن ينسى لذة كأس تمر هندي أو توت شامي في آخر الحميدية قبل أن يعرج إلى سوق العرائس أو سوق النسوان؟

لا تسلني ياسيدي مرة أخرى عن دمشق قبل أن تجهز سلال القش كي تضع فيها ضمم النرجس، والفل وأطواق الياسمين التي ستهطل من شرفات الشوق مثل المطر بعد صلاة استسقاء جماعية.