فوز محمد فارس: حقوق مُضيّعة

حقوق مُضيّعة

فوز محمد فارس

قرية قد عشش الخوف من الله في قلوب رجالها الصالحين الذين يتحرون مرضاة الله في كل تفاصيل حياتهم …

لاترى الرجل فيهم إلا ذاهباً الى المسجد أو عائد منه … تتجافى جنوبهم عن المضاجع وسيماهم في وجوههم من أثر السجود ….

وحين يقعون في حيرة من أمرهم ويخشون الوقوع فيما نهى الله عنه يسارعون إلى إمام قريتهم ليستفتوه ويطمئنوا أنهم لم يقعوا في المحظور إلى أن جاء ذلك اليوم الأشعث الأغبر الذي بدأ فيه شيخ القرية يتناول حقوق النساء في خطبه ويعرّض بالأكثرية التي تتغافل عن حق المرأة في الإرث ، بدأ الضّيق و التذمر يلوح على الوجوه المستبشرة ،عبست الوجوه واكفهرت ماذا ؟ !يعطون أموالهم لأصهار غرباء .. وأرضاً. كان للفكرة الجديدة أثر الصاعقة على حياتهم…

ودّوا لو أن إمامهم لم يخرج عليهم بأفكار كهذه تفتح أبواب حياتهم المطمئنة على الريح وكأنّ الإمام قد أتى ببدعة مستحدثة أو أنهم لم يمرّوا بسورة النساء وأحكام المواريث في قرآنهم الذي يتلونه آناء الليل وأطراف النهار. يظنون أنهم قد أدّوا الحقوق ووصلوا الرّحم بزيارتيّ العيد وتلك العيديّة العظيمة التي يغدقونها على إخوتهم البنات ـألفا ليرة ـ قد تنقص ولاتزيد أبداً بحسب الموسم ورضى زوجات قلّما يرضين . كاد إمام القرية أن ييئس وهو يحثّهم على ضرورة الاعتراف بحق المرأة في الميراث لكن دون جدوى ومع هذا لم يسأم النّصح والدعوة لهم بالهداية والصّواب . حين توفي جدي أوصى أبي وكان أكبر أبنائه بأن يعطي كل ذي حقّ حقَه واستوصاه بالبنات خيراً .. وفعلاً قام أبي بتنفيذ الوصية على أتم وجه . أظن أن عائلة والدي كانت من أولى العائلات في القرية ممن وهبت الإناث حقوقهنَ كاملة وغير منقوصة ـرغم أنها لم تكن من العائلات الموغلة في التديُّن كبقية عوائل القرية ـ لتصبح عائلتنا عرضة للسخرية وتندّر من حولها إذ أعطت الأرض للأصهار والتفت ذكور العائلة إلى الخصام والتَشاجر على الفتات ،والحقيقة أن الخصام كان لسبب آخر بعيد عمّا ظنّوه وتوهّموه.. حين توفي جدي لوالدتي وكنت على عتبات الوعي أخطو ، بالكاد أفهم الحياة أوصى خالي بإخوته البنات أيضاً… ولم يكن قد ترك وصية سوى تلك الجملة التي لم تمهله سكرات االموت ليبين ويفصل أكثر …

ماكاد العزاء ينتهي حتى بادر خالي الكبير إلى الاجتماع مع بقية أفراد العائلة ـذكوراً وإناثاًليعلن للجميع أن جدّي قد أوكل إليه أمور الميراث وأنه سيؤدي الأمانات إلى أهلها ولن يبخسهم شيئاْ. أتذكر أن أمي قد سرت كثيراً يومها فقد كنا في ضائقة مادية كبيرة وخسرنا قطعة الأرض الوحيدة التي نمتلكها -أمي التي تحب الأرض مثلنا نحن الذين كنَا قطعة من روحها -كانت تقول دوماْ:الأرض كالعرض لاتباع ولاتُشرى وإن لم تُغنِ فهي تستُر . مقولتها تلك ترسخت في ذاكرتي لم تغادرني رغم مرور السنين … إلَا أنّ حساباتها وحسابات خالاتي لم تكن أبداً مطابقة للبيدر فحقهن في ورثة أبيهن لم يكن أكثر من ألوف لاتتجاوز الخمسين تكلفة الحج إلى بيت الله الحرام ..هذا ماأُقِرَّ لهُنَّ من ميراث جديّ ووافق الجميع من الذكور طبعاًعليه فقد كانوا يرَونَ ماأعطوه منحةٌ يستحقون الشّكر عليها. جدتي أدلت بدلوها وأعلنت أنهم لن يعطوا أرضهم للأصهار كما فعلت عائلة جدي لأبي التي أصبحت وسيلة للتندر ..فأرضهم لاتطؤها قدم غريب ..وأرفقت إعلانها ببعض العواطف الجيّاشة وأن إخوتهن يخافون الله ولن يقصروا معهن . حين أعلنت إحدى خالاتي رفضها المال وأنها تريد حقها أرضاً أو مالاًبقيمة الأرض التي هي من حقها جوبهت بالاستنكار والمقاطعة مما دفع أمي وبقية خالاتي للصمت الذي اعتُبرَعلامة رضى وموافقة. مازلت أذكر ذاك المبلغ الذي وصل لأمي على دفعات ذهبت الأولى أدراج الريح قبل أن تصل الثانية إذ يفصل بينهما موسمين والدفعة الثالثة سقطت عمداً بسبب شُحّ الموسم ملحق بها تكاليف علاج جدي التي وُزّعت على الوَرثة وتبخر كل أمل لأمي بزيارة بيت الله . قلت لأمي حينها : كان عليكنّ ألّا تقبلنَ بقسمة ظالمة كهذه ماذا جنيتُنّ من مراعاة مشاعر إخوة لم يقيموا لفعلتكن تلك وزناً؟. أجابتني بإيمانها العميق الذي لم يتزعزع يوما :من فرض لنا حقّاً كهذا سيأخذه لنا حين نجتمع عنده ..هذه الحياة فانية ولاتستحق أن نحقد ونختصم من أجل متاع زائل . ومرت السنون ….

عشرون عاماً ربما حضرت الوفاة أحد أخوالي ولم يكن قد أوصى أيضاً ساد الهرج والمرج عائلته وأعلنت بناته أنّهن لن يُفرِّطن بحبة تراب وأنهنَ لسْنَ كعمّاتهنّ ..

عدْتُ إلى أمي أقول لها : أترين؟ تسامحكن لم يحصد إلا السخرية ممن يجب عليهن أن يشكروكن . أجابتني عميقة الايمان ذات أكثر بال مطمئن : فعلاْ ياابنتي هن لسْنَ مثلنا لأنهن قد خُلقن في زمان غير زماننا…