فوز محمد فارس: أنوثة مركونة

كم كانت تستوقفني عبارة للداعية النابلسي فيما مضى : “لاتقل لي امرأة مسترجلة, بل قل رجل مؤنث..

عبارته هذه طالما استفزتني وجعلتني أنفر من رجال لاحظ لهم من الرجولة سوى اسمها حين انسلخوا طوعاً عن الوظيفة التي خلقهم لله من أجلها وهي القوامة ليركنوا الى الدعة ويستسيغوا المكث في البيوت كالنساء مخالفين في ذلك طبيعتهم وكنت أعتبر أن أكبر خطأ تقترفه المرأة هو أن تتخلى عن أنوثتها وترضى بأن يلقي زوجها على كاهلها كل الأعباء لذا أعلنت على الملئ أنني لن أقبل الا برجل حقيقي يملك من الرجولة مايمكنه من حماية كرامتي كأنثى من الامتهان وألا أقبل أن أكون نسخة مكررة عن أمي التي أرادت لنا حياة مغايرة لحياتها لابؤس فيها يشع منها نور العلم والمعرفة ..لقد بذلت أمي جهودا جبارة وخاضت حروبا معلنة تارة وصامتة أحيانا لنحصل على شهادة تكون سلاحا لنا في وجه تقلبات الزمن وأعاصيره هي التي – وبسبب جهلها بمبادىء القراءة والكتابة -هضمت حقوقها من قبل اخوة لها قاموا بخداعها والتحايل عليها لتضع بصمتها على ورقة تنازلت بموجبها عن حصتها من ميراث أبيها لأخوتها وتصبح عرضة لسخرية

والدي الذي بنى بدوره أمالا على ميراث زوجته بعد أن … ضيع ميراث أبيه في أعمال خاسرة أصابت أمي بوصفها حين اعتبرت الشهادة سلاحا فقد أتى علينا حين من الدهر غيبت الحرب فيه الرجال في القبور والمنافي والمعتقلات …ومن كان عملها وشهادتها ترفا في الماضي أصبح الان حاجة ملحة رجال كثر غيبوا قسريا عن حياتهم مما دفع بنسائهم في ظل الحرب الى الانحشار في عباءة ربما لاتستسيغها الكثيرات لكنهن دفعن اليها دفعا بعد أن فقدن رجالهن اللذين كن يعتمدن عليهن في كل صغيرة … وكبيرة

كنت ومازلت أمقت المرأة المسترجلة التي تتقمص دور الرجل وكنت حريصة كل الحرص على أن أحيد عن هذه الصفة كي لاتلتصق بي …كان عملي كمدرسة للغة العربية .مجرد قضية اثبات وجود وأن يكون لي أثر وبصمة في حياة الاخرين مع ايماني المطلق بقداسة مهنة التعليم ..اضافة الى سبب أخر لايقل أهمية عما سبق من أسباب ألا وهو الفرار من تلك الجلسات النسائية التي لاهم لها سوى الثرثرة الفارغة وتتبع عيوب الاخرين وهدر الوقت والعمر في أشياء غير … مجدية

ذات يوم كنت أقوم بمناقشة قضية المرأة ودورها في المجتمع من خلال الحكاية رقم / 9/ لنجيب محفوظ والتي تتحدث عن نظرة المجتمع الى المرأة العاملة صرحت أمام طلاب الصف الثالث الثانوي الأدبي أنه سيأتي يوم تلعن فيه النساء أول من طالب بالحرية من أجلهن فلولاه لكن الان في بيوتهن جالسات ينعمن بدلال ابن عمهن -الزوج -لهن.ذاك اليوم بالتحديد رأيت في عمل المرأة خارج البيت عبودية مضاعفة وامتهان لكرامتها والسبب في ذلك مدير-رجل أبله -يكره المرأة ويرى انها استأثرت بالعمل وزاحمت الرجل الذي أصبح عاطلا عن العمل صرخ في وجهي حين طلبت منه تبرير غيابي بسبب مرض طفلتي مرضا شديدا :لم لاتقرن في بيوتكن وتتفرغن لتربية أبناءكن وتتركن العمل خارج … البيت للرجال استفزتني مقولته تلك وعدم تعاطفه معي لذا نفست عن غضبي أمام طلابي بتلك النظرية التي أثارت ضحك الطلاب واستغرابهم لم أنتبه بعدها أن ثوب الأنوثة بدأ بالانحسار عني تدريجيا ..فكوني امرأة عاملة فذاك يعني أن أساند زوجي في كل صغيرة وكبيرة ليبدأ زوجي بالتعود على وجود من يحل محله ويؤدي أعماله وبذلك يتخلى رويدا رويدا عن المهام الموكلة اليه ..حتى اتخاذ القرارات الحاسمة والمصيرية فر من اتخاذها ..وحين يحصل أي خطأ أو تقصير سيشمر عن ساعديه ولسانه ويعود الى تقمص دور الرجولة فقط ليكيل لي الاتهامات وان سولت لي نفسي برد ما ستندلع حرب تستخدم فيها سلاح الكلمات والذي هو من أكثر الأسلحة فتكا وتدميرا لمشاعر الانثى وأحاسيسها ..عندما انتبهت من غفلتي أدركت أنني كغيري من النساء قد تخليت عن أنوثتي أثناء انشغالي بدفع مركبة . حياتي المتعثرة نحو بر الأمان عندما بدأت الحرب لم أعد أتذمر أو أفكر في التذمر حتى فقد غيب زوجي في السجون لذلك لم يعد استهجان المجتمع للمرأة المسترجلة يعنيني في شيء أصبحت امرأة صلبة لاتسمح للضعف البشري ان يفت من ارادتها وعزيمتها وكنت من قبل كارهة لأنصاف الحلول والمجاملات والأن وفي ظل غياب الزوج أتكأ على تلك المبادىء والقيم التي تمنحني القوة والصلابة لأقوم بدور الام والأب محافظة على حدود لاأتخطاها كي لا أنزلق الى مستويات تضطرني الى التخلي أكثر عن صفاتي كامرأة من أجل الحصول على مزايا القوة المزعومة التي يحاول من حولي خداعي بها ليصار الى استغلالي وتفريغ حريتي كامرأة قوية من محتواها وسحبي الى احد الطرفين المتناقضين امرأة مسترجلة . -أنثى مستغلة تحت شعارات وهمية نعم هي الحرب قد داهمت كل أفكاري وتصوراتي السابقة واعتقلتها ..وتحاول الأن أن تجبرني على طي أنوثتي طي الثوب وركنها جانبا ..

وأظنها قد نجحت في .! ذلك بالفعل