شادن كمال: يوميات قابلة قانونية

يوميات قابلة قانونية

بقلم شادن كمال

من واجباتي فضلاً عن توليد الأمهات، العناية بهن وبأطفالهن إلى نهاية فترة الأربعين يوماُ بعد الولادة. وتتم هذه العناية من خلال زيارات منزلية أقوم بها حسب منهاج معين. وكثيراً ما أتعرض لتجارب من خلال هذه الزيارات، بعضها يثلج فؤادي والبعض الآخر يسبب لي المهانة والانزعاج. ومن تجاربي توصلت إلى النتيجة بأنه كلما ارتفع المستوى الاجتماعي وبالتالي الدخل المادي كلما قلت المروءة. بينما خبرتي من تعاملي مع الطبقة العاملة الكادحة أن قلة دخلها أو حتى انعدام هذا الدخل أحياناً لايؤثر على كرم ضيافتها ولو بكوب من الشاي.

أذهب لزيارة والدة من هذه الشريحة من المجتمع فترحب بي وتدخلني بيتاً يفتقر إلى أبسط  أنواع الأثاث ومع ذلك تصر علي بقبول ضيافتها التي لعل عائلتها أحق بها مني. وهناك من أدخل بيوتهم العامرة وأتردد في طلب كوب ماء يبلل جوفي. أذكر أنني طرقت باب إحدى الوالدات على قائمة زياراتي وقد بهرني مظهر ذلك البيت وزاد من دهشتي عندما فتحت الباب ما حسبتها ربة البيت لولا المريلة البيضاء التي تعلو ثيابها. سألت عن “سيدة القصر” فسألتني إذا كان لدي موعد مع “المدام” فأجبت أنني القابلة التي أشرفت على ولادتها مؤخراً وأنا هنا  للتأكد من سلامتها وسلامة المولود. هنا أدخلتني ذات المريلة البيضاء إلى بهو واسع لعله أوسع من غرفة جلوسي وطلبت مني الانتظار ريثما تخبر “المدام” بوجودي. واختفت لدقائق ثم عادت لتخبرني أن السيدة المحترمة لديها ما يشغلها اليوم وعلي أن أرتب لموعد آخر. هنا نفذ صبري وقلت للعاملة، وهذه هي وظيفتها كما بدا لي، إنني أيضاً لدي ما يشغلني وإذا لم أتم واجبي نحوها اليوم فسيتضمن تقريري أن السيدة المصون رفضت مقابلتي عند زيارتي لها وإذا تعرضت هي أو وليدها لأي مشاكل صحية فستكون هي المسؤولة عنها. وهكذا اختفت العاملة مرة أخرى لتعود بعد دقائق وتدخلني غرفة الجلوس قائلة بأن “المدام” قادمة قريباً. جلست على أحد المقاعد الوثيرة وتمعنت فيما حولي من أثاث فاخر وتحف فنية ولوحات تزين الجدران لا شك أنها باهظة الثمن. وقدرت بما أتيت به من علم في هذه الأمور أن دخل صاحب هذا البيت لا بد ويتجاوز دخل قابلة قانونية بعشرات الأضعاف.

بعد فترة من الزمن خلتها أطول مما أوتيت من صبر، دخلت السيدة ووراءها العاملة ذات المريلة البيضاء تحتضن الطفل. نظرت إلي ونظرت إليها أتمعن مظهرها الأنيق ولسان حالي يقول “ألف دينار على أقل تقدير” ما يغطي جسم هذه السيدة من رأسها إلى أخمص قدمها. ظلت صامتة، فشرعت أتلو عليها الأسئلة المعتادة وكانت تجيب عليها باقتضاب إلى أن بدأت أستفسر عن المولود فالتفتت إلى العاملة وكأن الأمر لا يعنيها وبدأت الأخيرة تجيب على أسئلتي. لاحظت من قراءة ملف تلك السيدة أنها أصرت على عدم إرضاع الطفل وأدركت أن لا شيئ يربطها بمولودها سوى الاسم وأنها تفتقر إلى أي عاطفة أمومة. خرجت من ذلك البيت غير مأسوف عليه وعلى أصحابه ووعدت نفسي أن لا أزور تلك السيدة أو وبيتها مهما كلف الأمر.

تذكرت كم من النساء العاجزات عن الإنجاب اللواتي قد يتنازلن عن خمس سنين من أعمارهن مقابل أن يرزقن بطفل يضممنه إلى صدورهن ويولونه العطف والمحبة دون تذمر. فسبحان الله مقسم الأرزاق.