سهام الكرمي: النظام التعليمي السليم

النظام التعليمي السليم

بقلم سهام الكرمي

كان النظام التربوي في فلسسطين في رأيي وحسب تجربتي الفعلية، أفضل الأنظمة التربوية في العالم العربي، بني على دراسة لاحتياجات النشئ وأنجعها لجني الفائدة القصوى للطالب. أنتج هذا النظام أرقى المدارس الابتدائية والثانوية في العديد من المدن الفلسطينية، أمثال الرشيدية والكلية العربية للبنين والمأمونية ودار المعلمات للبنات في القدس والفاضلية والعدوية في طولكرم وغيرها العديد في المدن الأخرى. قد يتساءل القارئ: ماهو المعيار الذي اعتمدته في الوصول إلى هذا القرار؟

تبين على مر السنين أن خريجي المدارس الثانوية الحكومية الفلسطينية عند انتسابهم إلى المعاهد والجامعات العربية والأجنبية يتميزون بشكل واضح عن لداتهم من خريجي المدارس الخاصة وحتى المدارس الثانوية الحكومية للبلدان العربية الأخرى. كان بروزهم في اللغتين العربية والإنكليزية ظاهر للعيان وسبب ذلك كما اتضح لي فيما بعد عندما كنت محاضرة في جامعة دمشق لطلاب العلوم والطب وكان لزاماً علي التأكد من استيعاب الطلاب للمراجع العلمية في اللغة الإنكليزية. فوجئت بجهل الطلاب الذين حسب معدلاتهم في الثانوية  العامة قد حازوا على أعلى المجاميع كما تنص عليه متطلبات كليات العلوم والطب، فوجئت بجهلهم بأسس اللغة الإنكليزية. ولم يكن هذا فقط بل عدم تمكنهم التام من قواعد لغتهم العربية. وهذا كان جلياً لي من دراستي لأسس التعليم التي تنص على أن مقدرة الطالب لإجادة لغة أجنبية يعتمد على تمكنه من لغته الأم.

وجدتني في بداية العام الدراسي قبل البدء بتدريس طلاب العلوم والطب أمضي ساعات في مراجعة القواعد الأساسية للغة ليس الإنكليزية بل العربية. ومن ثم البدء بتهيئة الطلاب لمواجهة المراجع العلمية في اللغة الأجنبية. واكتشفت أن الفئة الطلابية الوحيدة التي استوعبت اللغة الإنكليزية دون عناء هي مجموعة الطلاب الفلسطينيين.

تذكرت أنني عندما ذهبت إلى بريطانيا للدراسة بعد أن حزت على شهادة الثانوية الفلسطينية (المتركيوليشن)، لم أجد صعوبة كبيرة في فهم اللغة الإنكليزية وأنا خريجة الثانوية الحكومية التي كنا نتلقى المواضيع فيها باللغة العربية ودراستنا للغة الإنكليزية اقتصرت على اللغة وقواعدها ونصوصها الأدبية. فكيف تسنى لي والعديد من زميلاتي في الثانوية ذلك؟

كنا كما أذكر نبدأ دراستنا في الصفوف الابتدائية بالتركيز على العربية والقرآن إلى نهاية الصف الثالث. ومع بداية الصف الرابع كان برنامج الدروس يتضمن مبادئ اللغة الإنكليزية وهكذا بالتدريج حتى الصف الرابع الثانوي عند تقدمنا للامتحان النهائي. إذن فهذا التصنيف التربوي بلا شك كان نتيجة دراسة معمقة لأنجع الأساليب التعليمية وقد أتت أكلها في آخر الأمر. فالعبرة من ذلك هو التأكد من حيازة التلميذ على القدر الوافي من الإتقان للغة العربية والتي هي لغة تختلف عن لغة التخاطب وكأنها لغة جديدة على التلميذ أن يتعلمها أولاً. هذا هو السبب الوجيه لتأخير دراسة لغة أجنبية قبل تمكن التلميذ من اللغة العربية. وبذا يحظى على إتقان لغته الأم ويبدأ بدراسة اللغة الأجنبية على أسس لغوية سليمة فلا يشرع التلميذ بالخلط بين اللغتين منذ ابتداء تعلمه لأي لغة.

 كان تعليم اللغة الإنكليزية يوكل إلى معلمات ومعلمين متمرسين في اللغة الإنكليزية فيكتسب الطلاب اللفظ السليم والدقة في التركيب اللغوي الصحيح. والذي أفاد تلاميذ المدارس الفلسطينية هو في الأصل تمكنهم من اللغة العربية التي تتميز بنحو وصرف لا مثيل لهما فيكتسب دارسهما السهولة في التعبير السليم وعندما يشرع في دراسة لغة أجنبية يبني أصولها على ما خبره من إتقان للغته الأم. ولكن إذا بدأ بتعلم اللغة الأجنبية قبل أن يحظى على قاعدة متينة للغتة الأصلية، يجد أنه يفتقر إلى أساس يبني عليه اللغة الجديدة فيظل إلمامه بها مهلهلاً فلاهو أجاد لغته الأصلية ولا تمكن من اللغة الجديدة، وهذا ما لاحظته من خبرتي في تدريس اللغات.

 وهنا أريد أن أتطرق إلى ناحية تقلقني بقدر كبير في المجتمع الأردني. ألاحظ استعمالات غريبة في لغة التخاطب العربية بحيث يعتمد المتحدث على كلمات إنكليزية للتعبير عن لفظ معين مع أن هناك مقابلاً معروفاً لها في اللغة العربية. مثال ذلك يقول البعض “السايد الآخر من الشارع” ويقصدون الجانب الآخر. أو يقول “سايزي في الملابس هو كذا” بدل قوله مقاسي هو كذا. لماذا يا ترى مع العلم أن هؤلاء الأشخاص قد لا يعرفون سوى   النزر القليل من اللغة الإنكليزية. وهناك أيضاً استعمالات عامية في الصحف والكتب مع وجود ما هو عربي أصيل لتلك التعابير. كثيراً ما يشيرون إلى “هشاشة العظام” والتعبير السليم هو وهَن العظام. ومعظم الناس سواء في التخاطب أو في الكتابة يتحدثون عن “الجينات”، والصحيح والمعتمد لغوياً هو المورثات التي هي الوحدات التي تحمل الصفات الموروثة في الحيوان والنبات. ولا أحد يخطر على باله أن ما يشار إليه “بالتلفون” له تعبير عربي هو الهاتف. وهناك العديد من الأمثلة على هذا القصور في الاستعمال الصحيح للألفاظ.

 بقي هنا أن أعلق على اللفظ غير السليم لبعض الأحرف في العديد من البلدان العربية. لو اعتمدنا اللفظ العربي الصحيح للأحرف حسب القراءة القرآنية لوجدنا أن لفظ سكان مصر لحرف الجيم خاطئ، وأن بعض الشعوب العربية كأهل العراق يلفظون حرف الضاد وكأنه ظا فيشيرون إلى “لغة الضاد” بلغة الظاد ولفظة “الفوضى” بالفوظى الخ.. ويخلط أهل السودان وغيرهم بين حرفي الغاء والقاف فيلفظون كلمة “قال” على أنها غال ويقولون “ألغى الكلمة” بمعنى ألقى الكلمة وقد يلتبس على السامع العربي إذا كان المقصود هو أنه ألقى الكلمة أم ألغاها ولم يلقها. وأشير أيضاً إلا بعض الشعوب العربية التي لفظها لحرف القاف غير سليم ويستعيضون عنه بلفظة الجيم المشبعة. أما أهل المغرب العربي فلديهم بعض الخطأ في توازن بعض حروف العلة فينقصون من طولها عند مقارنتها بكيفية قراءتها في القرآن. كما دخل لغتهم العديد من الكلمات الأجنبية مع أن لها مقابلاً في اللغة العربية.

 نصيحتي المتواضعة إلى القائمين على برامج التعليم أن يعتمدوا الطريقة الصائبة في تصميم تلك البرامج فيركزوا على اللغة العربية وقراءة القرآن في السنين الأولى وعند إدخال اللغة الإضافية يكون التلميذ قد حظي على الركيزة المتينة لاستيعاب لغة جديدة. وأن يوكل تصميم البرامج إلى من هم أكفاء في هذه المهمة وفقهاء في العربية حتى لا تفوتهم الألفاظ الصحيحة للكلمات فينشأ التلاميذ وقد درجوا على التعبير عن أنفسهم بلغة عربية سليمة. والهدف السامي هو تعليم النشئ على احترام لغته الأم والفخر بها، تلك اللغة الثرية المعاني المحكمة التركيب التي اختارها الله لتنزيل كتابه العزيز .