د.سميرة مبيض: حقائب السوريين أكثر ثقلا

حقائب السوريين أكثر ثقلا…

بالرغم من أن كلمة رئيسة بلدية دوردان في حفل تأبين الراحلة مي سكاف كانت غاية في التأثير لكنها لم تخلو من المهنية أيضا فهي لم تدع الفرصة تمر دون الإشارة إلى دور المجتمع المدني الهام في استقبال اللاجئين السوريين و تهيئة الشروط المناسبة لاستقرارهم، عبر مساعدات العائلات و الأفراد أو المنظمات التي تعنى و تهتم بهذا الشأن. لم تدع رئيسة البلدية هذه المناسبة تمر أيضا دون أن تشير إلى بعض الصعوبات الإدارية التي تواجه اللاجئين في تسيير أوراقهم و معالجة مختلف الملفات المتعلقة بأمور الحياة اليومية و كيف يظهر هذا العبء الإضافي متعبا لأشخاص يحملون أثقال أحزانهم بالإضافة إلى كل ما يرغبون بتحقيقه من أجل سوريا.

“لفتني هذا الخطاب الإنساني المهني الذي يدرك أن حقيبة اللاجىء السوري ليست بوزن حقائب بقية المهاجرين فهي أكثر ثقلا و أصعب حملا، فدونا عن التهجير القسري المختلف الملامح لمعظم السوريين، فهم يحملون أخبار الحزن و القتل اليومي، أخبار الدمار و الترحيل الهزائم و الخسارات، المجازر و الجرائم و ذكريات ماض متعب يغلب عليه آثار من الاستبداد في كل مفرق”.

بالإضافة إلى ذلك كله تبرز رغبة عارمة بتحقيق العدالة، بايقاف القتل و الظلم و رغبة كثيرين بالعودة، ليس بمعناها المعتاد دوما، لكن بالعودة إلى مواقعهم الاجتماعية، والأهم إلى مرتكزات حياتهم المهنية التي لم تعبر حدود اللجوء و تلك خصوصية أخرى يظهرها الشتات السوري بكون معظم السوريين من أصحاب المهن، الحرف أو الشهادات التي لم يستطيعوا تفعيلها في بلدان الاستقبال و ربما يتطلب ذلك نظرة أكثر قربا عن كيفية الاستفادة من هذه الطاقات و الخبرات الكامنة و التي قد تغير مقاييس الحياة اليومية لهم. ربما يكون أحد الحلول الممكنة هو تقييم هذه الخبرات عبر اختبارات معيارية وفق الاختصاص تسمح بتعديل تقريبي للخبرات و تتبع بدورات لغة مكثفة اختصاصية مما قد يسمح باندماج المعنيين بسرعة أكبر بالحياة المهنية و يساهم أيضا برأب جرح اللجوء و استعادة بعض من أسس الحياة الاعتيادية. 

كما العامل المهني، يفرض العامل السياسي هو الآخر وطأته على واقع اللجوء بقوة، في ظل تشرذمات متعددة المحاور تنعكس بشكل مباشر على إمكانية تجميع و استمرارية أي تنظيم للجالية السورية في الشتات و تزيد من فرص العزلة و الانكفاء تبعا لتوجسات سياسية أو حتى من منطلق خلفيات مذهبية مناطقية و غير ذلك من سمات انقسامات النزاع السوري، مما يجعل للعمل على تقارب وجهات النظر و الحوارات في بلدان اللجوء أهمية و ضرورة لا تقل عن ما هي عليه في الداخل و خطوة نحو اعادة بناء مفهوم و روابط المواطنة. 

وسط ذلك كله تبرز خصوصية وضع المرأة في اللجوء، و ضرورة تمكينها من الأدوات اللازمة لمشاركتها في تحديد مستقبل سوريا واتاحة منابر التعبير لإبداء الرأي و المساهمة في صنع القرار السياسي، دون إهمال الضرورة القصوى لتمكين النساء في بلدان الاستقبال، أماكن إقامتهم الحالية، عبر تسهيل الاندماج و تأمين الدعم النفسي للسيدات الوافدات من ظروف الحرب، أو الاعتقال، أو الملاحقة وذلك ضمن أُطر من الكفاءات السورية المختصة بحيث تخفف وطأة الغربة و تساهم في حمل ثقل الحقائب القادمة من سوريا و تمهد لشق طرق جديدة عبر الدراسة أو العمل تمهيدا للمساهمة في إعادة بناء سوريا المستقبل و تمسكا بوجود هدف لكل لاجىء سوري يبني في جدرانه كل يوم حجر . 

في غربة يرغب الكثيرون أن تكون مؤقتة و يدرك آخرون أن السنوات السبع التي مرت عليهم هي بحد ذاتها حقبة من حياة ينبغي أن لا تضيع سدى، و قد تكون الغربة فسحة امتداد لمشاريع ابتدأت في سوريا و لم تتسع لها حقائب اللجوء فتجد فرصة لتولد من جديد في الغربة. كما كانت الراحلة مي سكاف تطمح لإحياء مشروعها تياترو، كذلك هي حال مئات المشاريع الممتدة من و إلى سوريا، ليس لإغاثة أو لسلل غذائية أو لمواد طبية، بل لأن ثقافة سورية تحمل في طياتها أطياف شعب قاوم الموت خمسين عاما و لا زال و هي بذلك استحقت الحياة و تستحق الاستمرارية.