رزق العبي: حين مزّقت أمي الجريدة

صوت سوريات

في صيف 2007، مساء ذاك اليوم، أمي تغفو قليلاً وإخواتي عيونهم مسمّرة حول صحون البزر وإبريق الشاي، وتمتمات عائلية لا تكاد تخلو من ضحك، وخناق وغيرها.. فجأة يطلّ ابنهم على شاشة التلفزيون، يتحدّث عن الصحافة الإلكترونية في لقاء تلفزيوني هو الأول له على إحدى البرامج.

لم يعد يسمع أهلي صوتي، لكثرة الصراخ، الذي علا في البيت، “أمي فيقي فيقي شوفي رزق..” فتحت عيونها ظنّت أني جئتُ من دمشق في زيارة، أشاروا لها باتجاه الشاشة، ابتسمت ابتسامة عريضة ثمّ قالت “بدي نام أشو أول مرّة بشوفو”.

بعد قليل اتصلتُ بأمي لأسألها كيف شاهدتني، فقالوا لي نائمة، ضحكتُ جدّاً بعدما سردوا لي ما قالته.. “أول مرة بشوفو”.

لم أتعجّب، فهي ذاتها أمي التي وضعتْ تحت قطرميز المكدوس نسخة من جريدة لي فيها أول مادة صحفية في 2006، وقتها قالت: “إي هاي الجريدة سميكة وملوّنة هاتوها”.

أمّي على مدى سنوات كانت تهبني الدعاء لا المتابعة، وتدزّ في جيبي أولوف الليرات قبل سفري، وتسألُ عن أكلي وشربي، وعن نومي، وأحياناً بابتسامة ريفية طيّبة تسألُ عن صديقاتي، أمي لم تكنْ قارئة، ولا تحبّ سماع الأخبار، وحتّى أنها عارضتني بدخولي كلية الإعلام، لأنها تريدني أن أدخل الحقوق، بعد وشاية من أبي، ونقّ وسقّ طويل.

كلّ بروتوكولات العمل، وشكليّاته كانت مملة أمام بساطة أمي، هي ذاتها أمي، التي اتصلتُ بها أول الثورة لضائقة مالية، فركبت في الباص فجراً وخاطرت على طول الطريق، وبعد ساعات كانت في جوبر لتعطيني النقود.

لم تسألني يوماً عن أحوال البلد، ولا عن آخر مقالاتي، أو كتاباتي، فكم مرّة أتلفت لي رسائل غرام، أو مسودّات صحفية، دون أن تعرف، نعم هي نفسها أثناء حرب تموز عام 2006 وأنا أعدُّ تقريراً مكتوباً والجوّ مثلج جداً أفاقت وصنعت لي المتة، ثمّ أخذت إحدى أوراق التقرير واشعلت المدفئة بها. وجلست بجانبي، وفي يدها مسبحة تمنحني مع كلّ حبّة دعوة صادقة.

أمي، التي وقفت نساء طابور الخبز أمام ورقة إعلان عن أمسية شعرية في المركز الثقافي مكتوب عليها اسمي، إلا هي لم تعرف مافي الورقة، إلا أنها استغلت انشغالهنّ بالقراءة، وسارعت إلى طاقة البيع وأخذت خبزها، وما أن عادت إلى البيت، قدّمت لي عروسة زعتر بخبز ساخن.

السرّ العجيب أني كنتُ دائماً منذ أن بدأتُ مشواري الصحفي وحتى وفاتها اعتبرها من خيرة قرّائي، رغم أنها لم تقرأ لي حرفاً واحداً ولا سطراً واحداً طوال حياتها.. أمي كانت الدعاء الصادق الذي يأتي بالقرّاء، وكانت الابتسامة الطيبة التي يجود بعدها القلم ليكتب مادته الصحفية.

لم تكن تحلم أن تراني وزيراً، بل كانت تحلمُ أن تُعلّم زوجتي كيف تلفّ صغيري باللفّة، وتعلّمها كيف يغفو دون عذاب.

وكنتُ يا أمي أحلمُ أن تظلّي معنا إلى ما بعد تلك السنوات المقت، إلّا أن الحزن أنهكَ جسدها، فقررت أن ترحل، وحتى في رحيلها غريبة في تركيا، كنتُ أنا وأخي معها، رحلت بصمت مطبق، دون بكّايات أو نوّاحات، رحلت في غرفة طبّية لا تَعرفُ أطبائها، رغم أنها وعلى مدى سنوات طوال لا تعرف إلاّ طبيباً واحداً في الضيعة، ولا تعرفُ إلى مستشفى واحد…

أمي.. لم تقرأ لي سطراً إلا أنها منذ رحلت، كأنها أخذت كلّ القرّاء معها.