د. سميرة مبيض: المهجر وثقافة العمل التطوعي

المهجر وثقافة العمل التطوعي

بقلم د. سميرة مبيض

تعتبر ثقافة العمل التطوعي في منظمات المجتمع المدني البلدان الاوروبية اجمالا و في فرنسا تحديدا رافعة حقيقية لنشاط الجمعيات والمنظمات الخيرية والانسانية والحقوقية حيث تبلغ نسبة المتطوعين في مثل هذه المنظمات أربع و عشرين بالمئة من الفرنسيين على سبيل المثال، و هو عدد كبير يقوم بنشاط شديد الأهمية و يحقق أثراً اجتماعيا لا يقل عن تأثير الجهات الرسمية المعنية به.

من الملفت ان الشريحة الأكثر تواجداً وفاعلية في هذه النشاطات هي فئة المتقاعدين ممن تجاوزت أعمارهم خمسة وستون عاماً حيث تبلغ نسبتهم ما يزيد عن خمسة وثلاثين بالمئة من مجموع المشاركين في مثل هذه الجمعيات وهم يشكلون معظم الإداريين و المثابرين بشكل منتظم فيها، و نجد الكثير منهم من النساء اللواتي يشكلن هيكلاً أساسياً لهذه المنظمات.

لا شك أن نظام الضمان الاجتماعي والتقاعدي الذي يضمن مستوى لائق لحياة للمتقاعدين يلعب دوراً هاماً في اتاحة الفرصة أمام هذه الفئة للتفرغ لمثل هذه الأعمال، لكن ترسُّخ ثقافة العمل الطوعي وأهميتها هي ما تدفع بهم لحمل مسؤوليات جديدة نحو المجتمع وتقدير مدى ضرورتها.

فالسيدات بعد سن التقاعد لا يعتبرن أنفسهن غير معنيات بمشاكل المجتمع ولا يلتفتن للشيخوخة مبكراً بل على العكس مع خبراتهم المتنوعة كل منهن بحسب مجال اختصاصها ومع التفرغ المهني والعائلي في هذه المرحلة العمرية تصبح السيدات عماداً اساسيا للعمل التطوعي الذي يغني تبادل الخبرات الانسانية ويعيد للوقت معناه المنتج ويبعد طيف الشيخوخة و العطالة و اعراضها السلبية.

فيعتبر مثل هذا العمل حاجة اجتماعية لدى الكثير من المتقاعدين والمتقاعدات انطلاقاً من عدة دوافع منها الرغبة بتقديم الفائدة لمن حولهم وللحصول على توازن اجتماعي جديد بعد الخروج من دائرة الإنتاج المهني المباشر، حيث يسمح النشاط ضمن الجمعيات بإعادة بناء علاقات اجتماعية جديدة و يفيد في خلق حالة تضامن متبادل بين الأجيال بالإضافة الى الابتعاد عن حالة العزلة مما يخلق وضع صحي و نفسي أفضل بشكل عام كما تشير العديد من الدراسات التي اهتمت بهذا الشأن.

قد يمثل العمل التطوعي بشكل عام، وفي  عمر متقدم بشكل خاص، ثقافة جديدة بالنسبة الى جزء كبير من الوافدين حديثاً الى الغرب من السوريات و السوريين. فالمجتمع السوري تحت ظل الاستبداد قُمعت فيه أي مبادرات مدنية أو كان يتم تأطيرها في نطاق حزبي أو ديني تحت السيطرة الكاملة للنظام الاستخباراتي. بالإضافة الى فرض المفهوم التقليدي المجتمعي عن دور المرأة المحصور بالمنظور التقليدي البعيد عن الشأن العام و الاكتفاء بقضاء الوقت بالزيارات و الافراح و الاتراح دون أي أثر فاعل في محيطها خارج نطاق العائلة  و هي أطر لا مكان لها ضمن مجتمع ديناميكي يتطور كل يوم.

في هذا السياق يمكننا النظر الى التطوع ضمن منظمات العمل المدني التي تعنى بالشأن السوري في أوروبا كمصدر لإيجابيات عديدة للخارجين من سوريا بسبب الحرب ولو كان ذلك لساعات قليلة كل أسبوع، فهي تساعد كبار السن على تجاوز بعض من صعوبات التغيير المفاجئ في الحياة وكسر حواجز العزلة القسرية التي يفرضها عامل اللغة وتغيير المحيط.  بالإضافة الى الانتقال من موقع تلقي العون فقط الى إمكانية نقله للمحيط بطرق متعددة وخلق علاقات تعالج ما يحمله كل سوري من رواسب الغضب نحو العطاء والتفاعل الإيجابي ضمن المجتمع.

يتطلب ذلك تكوين القناعات اللازمة بأهمية مثل هذا العمل و التفكير بالمجتمع كجزء طبيعي و كامتداد للتفكير بالذات و هي ثقافة حُرم منها السوريون في بلدهم حين اقتصر دورهم على المصفق و المتلقي و لكن مستقبل سوريا يتطلب العودة للتفاعل السليم بين الانسان و مجتمعه خارج منظومة الكره و الأنانية و الخوف من الآخر المختلف، و ذلك جزء أساسي من ثورة الكرامة السورية التي نهضت بوجه كل هذه المعوقات المجتمعية نحو العودة بسوريا الى المسار الطبيعي لتطور الإنسانية و الشعوب.