د.سميرة المبيض: المرأة في ظل النظم الأمنية, صورة التغيير ورمزه

المرأة في ظل النظم الأمنية، صورة التغيير ورمزه

بقلم د. سميرة مبيض

لا بد أن صور النساء الايرانيات خلال الحراك الشعبي في إيران شكلت رمزاً سيحفر في ذاكرة الشرق الأوسط وتاريخه دون أن ننسى قبلهن إنجازات النساء التونسيات، في انتزاع حقوق مدفونة في جعبة التقاليد والعادات التي بقيت جامدة عند حقبة زمنية بعيدة، هذه المواجهة المباشرة بين المرأة الناهضة بالمجتمع و بين رجال الدين المصنَّعين ليكونوا عماداً للدولة الأمنية و ذراعها لترسيخ مفاهيم الجهل، هي مواجهة الثورات الحقيقية بين نظم تهدف للمحافظة على حالة الجمود الفكري في المجتمع كي تستمر و تترسخ أركان استبدادها و بين الحرية المسؤولة، الحرية الفكرية، حرية التطور بجميع أبعادها.

حيث تمر المجتمعات الإنسانية بتطورات علمية وتقنية تفرض تغيرات سياسية واجتماعية وثقافية مواكبة لها ويُظهر لنا الواقع والتاريخ ارتباطاً حتمياً بين التطور الإنساني الإنتاجي والعلمي والتطور الاجتماعي والسياسي وارتباط هذه العوامل معاً فكل تقدم بأحدهما يليه تقدم بالآخر بتتال منتظم.

رغم أن صراع التطور هذا ينطبق على الحالة السورية بجميع أبعاده، لكن تقنُّع نظام الأسد بالعباءة العلمانية لا زال مضللاً للكثيرين، رغم أن العلمانية منه وممن يُروج له بُراء، فهو النظام الذي يعتمد في كل خطوة على النزعة المذهبية والطائفية، النظام الذي يُشكل معظم رجال الدين المتنفِّذين، من جميع المذاهب والطوائف، صقوراً للدفاع عنه ويشكل التخوف من التطرف الديني عامل بقائه المستمر. فلن يتخلى عن أسباب وجوده واستمراره إذا، فما هو الا محرض على تنامي موارد وجوده، ترعبه ثورة فكرية ولا يأبه بثورة دينية طائفية تشكل له تربة خصبة تتيح له فرص التمدد والانتشار.

هذا ما استمر عليه الأمر لخمسة عقود دون منازع، حُصر فيها تحرك المرأة السورية بين الذراع الأمني للنظام وذراعه الديني المتشدد، حلقة مغلقة عن كل منفذ للتقدم، ليدور المجتمع حول نفسه متصارعاً لزمن ومن بعده أزمان. وتحل المرأة في الموقع المتلقي لعوامل المحيط الاجتماعي الأسوأ من هذين الجهتين، تباعاً التطرف السلطوي من جهة والتطرف الديني من جهة أخرى. 

لذلك، فان أي حراك يدعو لنيل المرأة حقوقها في مواجهة التطرف الديني المرتبط بتقاليد وأعراف مقيّدة لفاعليتها ومدى تأثيرها يفقد أي معنى ومصداقية ان لم يترافق بالدعوة لتحريرها من النظام الأمني القمعي القائم على دعامات الجهل والتجهيل، وعليه فمن يحارب إقامة دولة دينية متطرفة بدافع الدفاع عن الحريات، عليه أن يحارب الدولة الأسدية تحت نفس الهدف والا فلا صدقية لكل ما يدعي.

يصبح الدور على النساء، الحاملات فعلياً لفكر النهوض وإرادة تحقيق الحداثة، أكثر صعوبة من منطلق الجهود المطلوبة والعقبات التي توضع لهن بالمرصاد، فالطرفان المتفقان على قَمْقَمة الشعوب مُدركان أن دور المرأة فاعل مؤثر يتوجب اخماده. 

ومن هنا تصبح قضية المرأة في الشرق الأوسط قضية رمزية لإسقاط نظم التطرف السلطوي والتطرف الديني، ومعبراً لتقدم الشعوب في المنطقة وانفتاحها، لكن فتح المجال لانطلاق هذه العربة على سكة من خطين متوازيين لا زال معرقلا بهيمنة سياسية وبقرار، لم يتخذ بعد، بضرورة تحرر شعوب هذه المنطقة وعبورها نحو دول الديمقراطية والمواطنة لما فيه من خير للأمن و السلام في العالم.