د.سميرة المبيض: إرث بين القانون والدين

إرث، بين القانون والدين
د. سميرة مبيض

لا بد لنا حين نتناول الموروث الديني والتشريعات المتعلقة بالمرأة ضمنه أن نضعه في السياق المعاش لذلك الزمان، حيث توصي التشريعات الدينية في الكتب السماوية الثلاث بخضوع المرأة للرجل ولا يظهر وجود للمرأة في مجالس الرجال التي تسيّر شؤون الحياة العامة وتتخذ القرارات المصيرية ولا تُحمَّل مسؤولية نقل أو حفظ الإرث الديني الذي بقي حكراً على رجال الدين.
ان نظرنا الى طبيعة الحياة المُعاشة في تلك الحقبة نجد أن هذا هو الدور الذي كانت تؤديه المرأة فعلاً والتي تنحصر مهامها بالدائرة العائلية و تدبير شؤون المنزل و الأطفال مهما كان الموقع الاجتماعي لأسرتها. ما يعكسه الموروث الديني هو واقع تلك الحقبة فعلياً بالإضافة الى أن المرأة في فترات الحروب و العنف، و التي كانت تنتشر على مساحات واسعة و لفترات زمنية طويلة، كانت تعتبر جزءاً من الغنائم و ليست جزءاً من المحاربين. في ظل هذه المحيط كان الرجل فعلياً هو من يكفل حياة المرأة بالأمور المادية، كالمأوى و الطعام، و بالحفاظ على حياتها، ان اضطر الأمر لذلك و كانت الفتاة تنتقل من كنف الأب أو الأخ أو الزوج بنفس هذه المعايير و تستمر بتأدية الدور الذي دُربت عليه.
مئات الأعوام مضت وعشرات الأجيال تعاقبت وتغير المجتمع بشكل جذري وتغير دور المرأة فيه بشكل جذري أيضاً فباتت تحمل مسؤوليات توازي مسؤوليات الرجل على كافة الصعد. كما باتت العوامل التي كانت تقع على عاتق الرجل في حقبات سابقة غير محصورة بالأفراد بل بقوانين ناظمة للحياة وأخذت النساء موقع هام في نطاق العمل بعد النهضة الصناعية وبعد أن بات العلم في متناول الجميع و غير محصور على فئات معينة.
بإمكاننا اعتبار سيادة ثلاثة عوامل رئيسية و هي القانون و العلم و العمل قد غيرت جذرياً من المكان المخصص للمرأة ضمن المجتمع و بات تأمين سبل الحياة مقسماً بشكل متساوي بين الجنسين و بين نظم الضمان الاجتماعي بينما يعتمد تامين الحماية على قوة الأمن و القانون بشكل متساوي و غير محصور بالأفراد أو بالتبعية لمركز سلطة.
تجعل جميع هذه العوامل المتحركة عبر الزمن من جمود وضع المرأة المجتمعي غير ممكن و من هنا قد ندرك أن التساوي بين الرجل والمرأة في الميراث في الدول التي واكبت هذا التطور بات أمراً بديهياً، فلم يعد أحد من الجنسين مسؤولاً عن ضمان حياة الآخر و هو ما يبرر ضرورة حصوله على حصة أكبر من ارث مالي يتركه الأهل لأبنائهم.
حيث تقدر نسبة النساء العاملات بحوالي اثنان و خمسون بالمئة من النساء على صعيد العالم بحسب تقرير منظمة العمل الدولية و هي نسبة هامة رغم أن نسبة عمل الرجال تبقى أكثر ارتفاعاً فهي تصل الى ثمانية و سبعون بالمئة و بالطبع فان هذه النسب غير متجانسة على الصعيد الجغرافي و الفرق الأكبر في نسبة العمل بين الجنسين تظهر في دول العالم العربي بنتيجة التقاليد السائدة فيها لكن تظهر الاحصائيات أيضاً أن هناك تغيراً لافتاً عبر الزمن فنسبة النساء العاملات اليوم أكبر مما كانت عليه منذ عشرين عاماً و هو مسار مستمر بالصعود في المستقبل.
أخذُ جميع هذه المتغيرات بالحسبان ضرورة قصوى، أما تجاهلها وكأنها لم تكن فهو لن يلغي من وجودها كعوامل واقعية ستفرض نفسها عاجلاً أم آجلاً على القوانين المجتمعية الديناميكية الحية المواكبة بشكل دائم لتحقيق شروط الحياة الأفضل للإنسان وهي اليوم تقول بالمساواة بين المرأة الرجل على صعيد أمور كثيرة بالحياة ومنها الميراث كخطوة بديهية أولى.