حقوق المرأة، بين الكماليات والأساسيات

د. سميرة مبيض

تأخذ قضية حقوق المرأة مكاناً مركزياً في الدول المتقدمة فرغم الحصول على درجة عالية من المساواة –مقارنة بالدول النامية-  لكن  يبقى الحراك قائماً بكل طاقته و مؤثراً طالما لم تصل المرأة لحقوقها كاملة و تحتل هذه القضية موقعاً هاماً في  قلب الحراك السياسي و البرامج السياسية لكل  مرشحي الرئاسة  مهما اختلفت مرجعياتهم الحزبية.

على سبيل المثال  في فرنسا كان  الرئيس الفرنسي الحالي ايمانويل ماكرون قد أعلن خلال فترة الانتخابات أنه سيجعل من قضية  المساواة بين الرجل و المرأة قضية وطنية  و تعهد بإنشاء وزارة لحقوق المرأة كما وضع ضمن برنامجه الانتخابي العديد  من الحلول  لتيسير الجمع بين الحياة المهنية و الحياة العائلية للأمهات و للوصول لمساواة  مهنية كاملة في الرواتب و الترفع الوظيفي بين الرجل و المرأة  بالإضافة الى المساواة السياسية بين الجنسين و زيادة إجراءات حماية المرأة من حوادث التحرش و العنف.

تمسكت المنظمات النسوية بمطلب انشاء وزارة لحقوق المرأة بميزانية و إمكانيات كافية لتحدث تطوراً سريعاً في نيل هذه الحقوق وهو أمر لم يتحقق بعد تشكيل الحكومة الفرنسية الجديدة.

و رغم وفاء الرئيس ماكرون بما ورد ضمن برنامجه الانتخابي بالمساواة السياسية ضمن الحكومة حيث قام بتعيين السيدات في الوزارات بنسبة خمسين بالمئة أي مناصفة مع الرجال، لكن ذلك لم يمنع المنظمات النسوية من الدعوة لمظاهرات و النزول للشوارع للتنديد بأمرين، أولهما عدم احداث وزارة لحقوق المرأة بل تعيين سكرتير للدولة مكلف بملف المساواة بين الرجل و المرأة و هو أمر مختلف عن احداث وزارة من حيث الإمكانيات المتوفرة و الميزانية المخصصة للمسؤولين عن هذا الملف و بالتالي قدرتهم التأثيرية. الأمر الثاني هو لفت الانتباه الى أن الوزارات التي منحت للنساء لم تكن مناصب رئيسية مؤثرة بحسب المنظمات النسوية و هي -لأخذ العلم-وزارة القوات المسلحة، وزارة التضامن و الصحة، وزارة الثقافة، وزارة العمل، وزارة مناطق ما وراء البحار، وزارة الرياضة، وزارة الانتقال البيئي و النقل، وزارة الشؤون الأوروبية، وزارة التعليم العالي و البحوث.

قد يبدو لنا في تلك المطالب نوع من الرفاهية في المساواة التي تنشدها النساء في هذه المناطق مقارنة بوضع المرأة في هذه الدول أولاً ومقارنة  بما نطالب به بشأن المرأة السورية.

و يبدو جليّا أننا لا نزال في بداية الطريق فعلاً أو حتى على ناصيته لم نطلق بعد العجلة و لم تأخذ مسارها، لكن الواقع أن الدفع بهذه المطالب المتقدمة في هذه الدول ضرورة أيضاً فهو يهدف الى تثبيت هذه الحقوق التي تبدو رغم أهميتها هشة، متغيرة بحسب التيار السياسي السائد و ليست مثبتة بتشريعات تضمن تطورها على المدى الزمني و تمنع تقهقر ما تم اكتسابه.

بالعودة للشأن السوري، تتوافق اغلب المنظمات التي تعنى بشأن المرأة على مطلب أولي هو ضمان تحقيق كوتا نسائية  عادلة في أي تشكيلات رسمية مؤثرة بالشأن السوري و يأتي هذا المطلب بناء على عدة منطلقات، منها أنه المدخل الوحيد لخلق دور فاعل للمرأة السورية في ظل غياب مفهوم المواطنة و في ظل تأثير متفاقم لمفاهيم مغلوطة أو تقاليد موروثة و أيضاً بحكم وجود الكفاءات الكافية للمشاركة في مهمات النهوض بالمجتمع السوري مستقبلاً و انطلاقاً من الواقع القائم بعد الحروب و الذي تحمل فيه النساء العبأ الاجتماعي الأكبر.

من المطالب الهامة أيضاً والتي ستسمح بانطلاق عجلة تطور حقوق المرأة في مجتمعنا هي مراجعات جذرية لكافة المفاهيم الدينية الخاطئة التي تعدُّ المرأة ضحيتها الأولى والتي تستخدم مجتمعياً لتقييد دورها الفاعل بالإضافة لترسيخ مفهوم المساواة الإنسانية الذي يعاني من قصور كبير في مجتمعاتنا بسبب رضوخها طويلاً لقواعد الاستبداد وما يخلفه من أمراض مجتمعية متعلقة بانتهاك قيمة الانسان وحقوقه.

يتطلب الأمر إذا انطلاقة منهجية منتظمة تشمل كافة القوى المؤثرة في هذا الملف و الاهتمام بكافة النواحي للعمل احتياجات واضحة تتوافق عليها الآراء و تدفع نحو نتائج عملية يستفيد منها المجتمع السوري مستقبلاً. اسراع الخطى في هذا الشأن بات ضرورة فنحن لا زلنا بالخطوات التأسيسية التي سيليها مسار طويل مرتبط بشكل وثيق بمسار سوريا نحو الحداثة و الحرية.