شاديه أتاسي: حديث غربة

هو صباح خريفي الهوى.. كنّا بضعة صديقات على سطح قهوة صغيرة مؤطر بالزجاج، نرتشف قهوة الصباح، ونرقب بوجوم انسكاب قطرات المطر على البحيرة الغارقة في الضباب، والممتدة أمامنا على مد النظر في الأيام الخوالي اعتدنا أن نلتقي.. حديثنا كان مرحاً وعادياً، وأحياناً كنا نسرق الزمن، للحديث عن أشواق عشنا يوماً عذوبتها.. فتلمع عيوننا حنيناً وتتورد خدودنا لهفة وترقّ أصواتنا شوقاّ.

واليوم نجتمع، ازددنا قرباً، لكن تغيرنا، غير هذا الزمن الرديء حديثنا، لا شيء اليوم أكثر أهمية وأشدّ لهفة من الأخبار القادمة من /هناك/، وهناك تعني دائما البيت، البلد، الذي غادرناه يوماً بعتمة الليل بحقيبة صغيرة وأمال كبيرة لعودة قريبة، تركنا ستائرنا معلقة، وصورنا مركونة، وأشياؤنا في أماكنها، وزريعتنا مستلقية على الجدران، تركنا أنفاسنا وأصواتنا وضحكاتنا وشجاراتتنا، وحدها من يدفء وحشة البيت البارد.

 نعيش هنا مرارة وقهر سؤال يتيم إلى متى إلى متى.. الأخبار تأتي إلينا مرعبة ومشوشة ومتناقضة، لا حقيقة واضحة /الشغلة مطولة ومعقدة والقصة كبيرة.. / خرج الحل من يدنا إنهم يتلاعبون بنا يتآمرون علينا، الجميع يتآمر، من هم ومن نحن!! نتهامس أخبار البلد الغارق في الدمار والفوضى والدماء، في لهفة العاشق المحروم، فقد طال بنا الشوق والغربة موحشة، نشتاق إلى أهلنا وأصدقائنا وأصدقاء أصدقائنا، يبدو لنا كل شيء جميلا متوهجاً في ذاكرتنا، نحن إلى بيوتنا، إلى مدننا، رائحة مدننا، أماسيها وصباحاتها، نحنّ حتى إلى أشياء وأشخاص لم ترُقْ لنا يوماً.. ونبحث عن أي ثغرة صغيرة قد تفتح لنا نافذة أمل، وتسكب في أرواحنا التي طال بها الشوق شيئاً من الطمأنينة، ونحن نعلم تماماً في أعماقنا أنها غير حقيقية، وأن الحريق يزداد اشتعالاً والنار تزداد شراسة، تلتهم بشراهة بلداً طالما اعتقدنا ونحن غارقون في لعبة الحياة، أنه سندياتنا القوية الممتدة في جذر الزمن.

 قالت نادية بمرارة: أولادي هنا، الجمال والآمان والراحة هنا، ولكني أشتاق إلى هناك، بيتي تتأرجح فيه خيوط الشمس، قهوة الصباح في ركني وبجانبي كتبي وياسمينتي، صوت هاتفي الذي لايكف عن الرنين وصوت أمي المشتاق، شرفتي وقد مر عليها الخريف، قرع الباب، صوت الباعة، رائحة النهار، ضجيجه، من أحب حنين قالت بتمهل تحاول أن تشرح مايجول بفكرها، لكن مايحدث شيء عجيب، الناس هناك تعيش معادلة الحياة والموت، معجزة البقاء، يتعايشون مع جنون الموت والدمار لكنهم يستمرون، تسقط القذائف في الصباح وفي المساء يرتدون ثوب الفرح المزعوم ويعيشون، أكذوبة مابدنا نموت بدنا نعيش سعاد المرحة قالت، وكأنني لست أنا، حياتي تغيرت منذ قيام الثورة، أركض من اجتماع إلى اعتصام إلى غداء خيري، زوجي الكندي يتفهمني بصدق لا أدري إلى متى، وابني المراهق أسرق الوقت والزمن لأكون إلى جانبه همست مريم التي فقدت ولدها يوماً وابتسامة حيية تضيء وجهها، أنا أنتظر طفلا يتيماً سيأتي من هناك، ليضيء حياتي، أنتظره بشوق، أعددت كل شيء لحضوره، سآخذه إلى المدرسة وأنتظر عودته، وسيكبر بحبي ويحتوي بشبابه شيخوختي تهدج صوت ميسى وسبقتها دموعها وهي تقول: مشتاقة لبلدي، مشتاقة لناس بلدي، مشتاقة لرائحة الليل والياسمين، أخاف أن تسرق الغربة أعمارنا، أن نعتاد الحياة ونبقى هنا.. ونموت هنا، كل شيء حولنا كان يشير إلى جمال الحياة وغناها، البحيرة المغموسة بالضباب في حضن الجبال الأبدية الثلوج، وبجعاتها البيضاء المشرئبة الأعناق، تمخر عباب المياه في عرسها الشتوي الطويل، مطر الحياة المنهمر.. وجوه الناس النضرة المسرعة إلى أعمالها.. واجهات المحلات الأنيقة المتخمة، الآمان، الذي نسيناه نحن الذين فقدنا متعة أن نكون في أوطاننا لم يفلح كل هذا في تهدئة أحزاننا، فنحن غرباء لا ننتمي إلى هذا المكان الجميل، قلوبنا هناك.