ثمن الفرح خارج المخيم

مفيدة عنكير – صوت سوريات

كل شيء حولي كان يشي بالخراب، لم أكن أعلم أن البيوت الكبيرة ليست إلا سجنا كبيرا أيضا، كان كل تفكيري هو الثياب الجديدة التي اشتراها لي، وأني سأنام على سرير كبير ربما يتسع كل إخوتي، حتى فستان العرس الذي اشتريته كنت أتخيله على دميتي، أكثر من أن أتخيله على جسدي، لم أتذكر في يوم عرسي إلا حسد خواتي  لي وأني سأستطيع مشاهدة التلفاز وأتابع كل البرامج التي أحبها، تكمل فرح والدموع تسقط من عينيها خجلة: نعم راهنتهن أني سأرى حلقات المسلسل الذي تحدثت عنه جارتنا التي تملك تلفازا صغيرا، اشترته قبل يومين من عرسي، كل ما حدث تلك الليلة أني امتنعت عن البكاء، فنومه السريع عجل فرحتي وأجل بكائي على مستقبل ينتظرني مع رجل عجوز، ينام حتى قبل أن يفكر أنه نعس.

تزوجت فرح بصفقة غير عادلة، وافق أبوها على زواجها وهي بعمر الرابعة عشر، كل ما كان يريده هو الخروج من المخيم، قبض ثمن زواجها وعودا بالعمل في مصنع لزوجها التركي العجوز، زواج بمهر مؤجل، لكنه تعجل به، تعجل ولم يعلم أنه لن يستطيع يقبض ثمنه  لاحقا، تقول فرح: لم أفهم عليه كلمة واحدة، فزواجي منه كان بالاتفاق مع المترجم ويبدو أنه السمسار الذي قبض هو مهري وليس أبي، في الصباح كان يطلب الفطور، بلغة الإشارة، وهكذا الغداء، بعض الكلمات تعلمتها لأطلبها أنا، بقي على هذا الحال اسبوعين، كان يهرب من الكلام معي إلى الكلام مع جسدي، لكن يبدو أنه حتى جسدي لا يتقن لغة الغرباء،  لم أكن أعلم ماذا يحدث معي، كنت أشعر بالشلل تقريبا، أو أني أشبه بدمية تحركها يدا طفل عبث، وربما تريدان كسرها.

 تكمل فرح: كان هذا روتينا يوميا لمدة نصف شهر، إلى أن خرج ذلك اليوم، دون أن أعرف إلى أين، قلت لنفسي، ربما ذهب لزوجته الأولى، بقيت طول اليوم أنتظر أن يفتح الباب ويدخل، لا أنكر أني كنت مرتاحة منه، لكن هاجسا أكبر كان يرعب قلبي، مضى يومان ولم يأتِ، نفذ كل شيء من البيت، فقد كان يحضر لي حاجيات يومية، ولا يغرق في الإنفاق، ماذا أفعل، أين أذهب، حتى هاتف لم يعطني، وانقطعت أخبار أهلي عني، ولا شيء أعرفه عنهم، حتى الطريق لهم لا أستدله، بقيت على هذه الحال أسبوعاً كاملا خشيت أن طرق باب أحد الجيران، لكن الجوع والوحدة أجبراني، جربت أول باب، وكان مقابلا لي، لم يرد علي أحد، نزلت للطابق الثاني، أيضا لا أحد يرد، أصابتني الدهشة، أين أسكن أنا، لا أحد في هذا البناء، عدت إلى البيت، لأكتشف أني لا أملك مفاتيحا إذا حاولت الخروج، تفحصت النوافذ لأرى أين أنا، بناء بعيد عما حوله، وكيف أخرج ولا أملك مفتاحا للعودة، قررت أن أترك الباب مفتوحا، وليحدث ما يحدث، نزلت من البيت أبحث عن أحد يساعدني، لأتصل بأهلي، فأنا حتى رقم هاتفه لا أعرفه، لا أحفظ سوى رقم أبي، دخلت البناء الأقرب لي وبدأت أدق الأبواب، لا أحد يفهم علي، وأشك بذلك، كنت أشير لهم أني أريد أن أستخدم هاتفا، كانوا يتظاهرون بعدم الفهم، بدأت البكاء، انهارت أعصابي، فجأة جاءت أمرأة تركية كبيرة، وأدخلتني بيتها، سألتني إن كنت أريد طعاما، قلت لها نعم، فقط هذا ما فهمته علي، أحضرت لي طعاما، فأكلته بسرعة، هنا رأيت الهاتف الأرضي الذي في بيتها، ذهبت مسرعة، وأشرت لها أن أستخدمه ، لم تعارض، اتصلت بأبي لأخبره ما حدث معي، وأني لا أعرف شيئا عن زوجي، لم يصدق أبي وظن أني هربت من البيت، أخبرني أن أعود وأنا أقسم له أني لم أهرب وهذا ما حدث، قال لي ابقي مكانك، سأتصل بك بعد دقائق، وبعد دقيقة أخبرني بصوت حزين ، أن السمسار قد أبلغه أن زوجي توفي في بيته الأول، كانت دموعه تسبق صوته، وهو يطلب مني السماح، لم أفهم لماذا يطلب مني أبي السماح، ليكمل حديثه أن البيت ليس ملك زوجي وهو مستأجر لفترة قصيرة، كما أخبره السمسار، وأنه يجب علي العودة، فزواجي غير مسجل أصلا، ولا وثائق معي تدل عليه، لا أنكر أني بقيت فترة على الهاتف صامته لم أستوعب ماذا يقول أبي: ماذا تعني الوثائق وماذا تعني الأجرة، ماذا يحدث، أين أنا، هل أنا بلا بيت الآن، وبلا زوج، بلا مكان يأويني، كيف أعود، حتى السمسار اللعين أخبر أبي أنه لا يعرف أين أنا في أي مدينة، أو قرية،  وهنا جاءتني ومضة ذكاء أتت بها الحاجة، قلت لأبي أن يعطي رقمي للسمسار ليتصل بالمرأة التي أنا في بيتها، ويكلمها ليعرف أين أنا وتعطيه عنواني. يفاجأ أبي بعدم رد السمسار عليه، يبدأ أبي بالبكاء وأنا أيضا، تسحبني المرأة التركية، وتجلسني وتضمني لها، دون أن تفهم ماذا يحدث معي، أغلقت الهاتف مخبرة أبي أني سأعود للبيت حتى أفكر بطريقة أراسله بها، وعدت للبيت، فكرت كثيرا بطريقة للعودة.

راودت فرح أفكارا بعدم العودة، وحاولت أن تنزل كل يوم للبحث عن عمل، أو أي طريقة تجعلها تكمل شهرها في هذا البيت، كانت تترك الباب يوميا شبه مغلق، وتنزل ببضع كلمات، وتبحث عن مطعم قريب أو أي محل تدل هيئته أنه قد يقبل بفتاة للعمل، لكن لا جدوى من كل ما فعلته، كلماته البسيطة ولغة الإشارة التي تملكها، لا تعينها على ذلك.

امتنعت عن الذهاب إلى بيت تلك المرأة التركية، لكي لا تخبرها أن أباها اتصل بها، وفعلا كان هذا ما حدث، أبوها يتصل يوميا، بعد أن  أحضر شابا يتكلم التركية، وعرف مكان المرأة العجوز، لكن العجوز لم تكن تعرف أين تسكن فرح، بيد أن قلب الأب أجبره أن يأتي ويبحث هو عنها، وينتظرها ساعات ، لتوقعه أنها ستمر من طريق قريب من بيت المرأة التركية، تذكر أبوها، أنها أخبرته، أن البيت التي تسكنه في بناء لا يوجد غيرها مسكون، لينتظر حتى الليل، ويبدأ باستكشاف الأضواء، وفعلا اكتشف وجود بناء لا يوجد سوى شقة مضاءة به، وذهب بقلب أب مفجوع ونادم ومتلهف، وبدأ يطرق الباب لتفتح له فرح بآخر أنفاسها،

تقول فرح، الجوع والحزن والقهر أنهكا جسدي، كنت فعلا أنوي الانتحار، لا أعلم لماذا فكرت بذلك، خاصة أني سمعت لاحقا أن كثير من الفتيات السوريات حدث معهن قصصا مشابهة لقصتي، فقصص البيع والشراء لنا في مخيماتنا باتت تجارة مربحة، لأشخاص لا ضمير لهم، همهم الأول جمع المال، لن يفكر أمثالهم بفتاة مثلي تزوجت لأيام وعادت لخيمتها وهي تحمل في بطنهاُ طفلا، لا يعلم من أباه، أو حتى اسمه الحقيقي، كيف سأخبره أنه جاء لهذه الدنيا نتيجة صفقة غير عادلة، في حياة لا يوزع فيها حتى الظلم بعدل.

تروي فرح قصتها سرا، فهي لم تستطع أن تخبر الجميع أن زوجها مات دون أن تعرفه، لاعين لأبيها ليقابل بها الناس أيضا، فطريقة زواج ابنته حتى وإن كانت بادية لهم شرعية، فهي حتما غير أخلاقية ولا منصفة، ولا إنسانية، ترويها وهي تنتظر طفلا بلا أب، بلا مستقبل، لكنها تملك شيئا واحدا وهو الإصرار، إصرار على أن تخرج من المخيم مع طفلها، بعد أن تتعلم لغة لم تساعدها حين كانت خارجا، في البقاء حرة من سجن كبير مفتوح إلا على الحياة.