بشرى البشوات – لماذا لا يتذكر الرجال ويستحيل أن تنسى النساء

لماذا لا يتذكر الرجال ويستحيل أن تنسى النساء

خاص: صوت سوريات – بشرى البشوات

البعد هو اتساع المدى أحاول أن أنظر إلى هذه المدينة بقلب المحب، لا بعينه، بعد سنتين تماما من الإقامة فيها ها أنا أبدأ بحفظ شوارعها وطرقاتها، مرات قليلة تلك التي رحت أعتمد فيها على خرائط GPS لأستدل على مكان ما. 

إذا أنا بعافية قليلا، بعد عامين هنا في مدينة ساحلية، بمحاذاة بحر البلطيق. أنا بعافية قليلًا، ومع هذا لست امرأة بحريّة. لم يعني لي البحر شيئًا سوى حزني على أميّ التي لم تشاهده ولو لمرة في حياتها! 

أعيش في عاصمة المقاطعة، يبعد بيتي عن مركز المدينة ما يقارب 4 كيلو متر، كان يبعد بيتي في دمشق عن مركزها ما يقارب 16 كيلو متر. شتان بين البعدين! 

الأبعاد: لا أحب أن أدخل في لعبة حسابية، أقنع نفسي بأنني كنت وما زلت أعمل فقط بجزء دماغي الذي لا يحب ولا يجيد الأبعاد والحساب.

يقول البروفيسور ستيفن ويلسن من كلية لندن الجامعية لموقع لايف ساينس: “إن عدم تماثل الدماغ أمرٌ جوهريٌ لوظيفة الدماغ السليم”. ويكمل قائلاً: “إن عدم التماثل يسمح لجانبي الدماغ بأن يصبحا متخصصين، مما يزيد من سعة عملياتهما ويمكنهما من تجنب حالات التعارض حيث يحاول كلاً من جانبي الدماغ أخذ المسؤولية. في كلية الآداب في دمشق، تلك الكلية التي دخلتها بسن متأخرة، تماما مثل كل أشيائي بالحياة أصلها متأخرة، فأنا تأخرت بإكمال دراستي، تأخرت في بيت أبي، فتأخرت في الحب و تأخرت في الزواج، تأخرت في الخروج من سورية بعد الثورة لأنني تأخرت في معرفة البعد بين الفراق والحنين. الفراق والحنين يتناسبان طردًا، ها أنا أعود إلى الرياضيات. في كلية الآداب في دمشق، وفي فترات الاستراحة، ونحن نبدد الوقت في شرب الشاي والقهوة، كنا نتبادل الأسئلة نتحدث عن البيوت، عن الطريق والبعد، كانت أسئلة من ذلك النوع الذي لا حاجة فيه لمران الذاكرة، في ذلك الوقت وتلك السن سمعت لأول مرة باحتفال الهالوين، وحتى أبدد سحنة الجهل عن وجهي رحت أضحك ببلاهة عن الطرائف التي ألقاها الأصحاب وهم يسردون كيف كانوا يتابعون مجموعة من الصور واحتفالات هذا اليوم. ذلك أيضا بُعد ما بين الجهل والمعرفة. الهالوين: يحتفل العالم ب الهالوين في 16 من تشرين كان من الصعب على الأصدقاء معرفة مكان واسم البلدة التي أسكنها في جنوب دمشق، وكان لزامًا علي أن أربطها بمعلم أكثر شهرة وحضورا، أقول لهم أسكن بعيدة عن مقام السيدة زينب أقل من كيلو متر واحد. ها تسكنين هناك.. نعم صحيح المنطقة تعجّ بالعراقيين؟

كنت أهزّ رأسي موافقة، ثم أسترسل بثقة العارف، وثرثرة الجائع للخبر، كان لدي خبريّات حول ذلك. ذلك هو البعد المسافة بين ما أعرف، وبين ما يسمعون مني. لم أزر البحر إلا حين وصلت إلى سن الخامسة عشرة في رحلة مدرسيّة، ففي عائلتي لم يكن من ضمن أولوياتنا في الحياة زيارة البحر، أو حجز شاليه رخيص لقضاء بضعة أيام.

البعد ثانية، الأبعاد! 

دمشق الجرداء ومدينتي هذه التي تتقيأ الخضرة بملء فمها، ينال مني رذاذها، أخفي وجهي بذراعي. كنت أسكن في جنوب دمشق، يوم خرجت منها كنت في الثامنة والثلاثين ولما وصلت جبل الزاوية في إدلب كنت في نهاية التاسعة والثلاثين هذا لا يعني بأنني استغرقت سنة في الطريق، لكنه يعني البعد بين العزم وبين المسير.

يقاس العمر أيضا بالأبعاد، أبعاده فيما أنفقتها، لم يسألني أحد فيما أنفقت سنواتي الأربعين حين دخلت الحد الفاصل بين الحدود النمساوية الألمانية.

الحد الذي عبره هتلر حين لم يكتف بكل أبعاد ألمانية سنة1938. الحد الذي عبره مئات الألاف ممن خرجوا من سورية، كل من خرج من سورية عَرَفَ بُعدًا ما؟!

لم أعرف الكثير من المطارات في حياتي المطار الأول الذي عرفته كان مطار دمشق ومنه وصولا إلى مطار القامشلي وحين كنت بانتظار زين ولدي وأخطأت برقم البوابة كان ذلك في مطار هامبورغ لا عجب أن يسمّوا المطارات بالميناء. البحر إذا…! 

يقول محمود درويش( كلنا في البحر ماء) 

كلنا من كُلنا، هل تحوّل السوريون إلى ماء في بحر ايجه. 

في تقرير عرضته قناة الجزيرة من الشواطئ الليبية عن رجل كانت مهمته الموجعة تنحصر في جمع أحذية الغرقى عن الشاطئ، أحذية أولئك الذين عبروا البحر، بكيت وقتها بشدة. 

قال إنه يحفظ هذه المئات بل الألاف من الأحذية ليظل هو على الأقل شريكا بنسبة من الوجع

لم يكن ما جمعه أزواجا من الأحذية المتماثلة، فقط فردات منها، بألوان ومقاسات وماركات مختلفة. 

تذكرت جيدا حين عبرت جبل الزاوية وفَقَد ولديّ كلّ منهما فردة حذائه، دخلنا تركيا بفردة لكل منهما، دخلنا أول خساراتنا بعرج مع سابق الإصرار.

في كتابها( لماذا لا يتذكر الرجال ويستحيل أن تنسى النساء). 

تقول الدكتورة ماريان جيه لجاتو: تستطيع المرأة ببراعة أن تفسر قدرا هائلا من تعبيرات الوجه، أكثر مما يستطيع الرجل، مما يعطيها ميزة التعاطف مع مشاعر الأخرين. 

وتتمتع المرأة بذاكرة قوية لكل ما تسمعه ، ومعنى ذلك انه يمكنها استرجاع نقاط بعينها دارت في مناقشة نسيها الرجل منذ زمن طويل. 

أتذكر جيدا كيف نبشت المجندة الألمانية ثيابي ونبشت ملابس رضيعتي ابنة السنة والنصف حين دخلنا حدودهم في أواخر سنة 2015 

فعلت ذلك بقلب بارد، لأنها تعرف البعد بين الوطن والشتات.