باسمة جزائري: هناك متسع من الوقت

هناك متسع من الوقت..

“حين كنا نأكل الكرز صغاراً كان الكبار يحذروننا من ابتلاع البذور، لأنها ستكبر حتى تخرج أغصان شجرة كرز من أفواهنا”

قد أكون أخطأت عندما قصصت ضفيرتي وأزلت عن أصابعي آثار التلوين.

وربما كان علي ألا أستبدل قطع الحلوى بالنقود، ودفاتر الرسم ببطاقة الهوية.

نظارتي الرصينة لم تمنعني من البكاء.. وسلسلة المفاتيح لم تمنعني من الخوف من أشباح بيت فارغ.. 

لكنني لم أعد طفلة..

لم أعد أبلل شعري وملابسي كلما أغراني ماء.. لأنني ببساطة لم أعد ألعب بالماء.

ولم أعد أسقط وأخدش ركبتي كلما ركضت.. ولكن لأنني لم أعد أركض.. لم أعد طفلة..

ولأنني لم أعد طفلة تعلمت قواعد الحياة..

تعلمت أن أصغي لمن يتحدثون بأدب وألا أسمح لصوت إحساسي بالارتفاع على أصوات الكبار..

وتعلمت أن القلب يجب أن يتوارى خلف الستائر، وتحت المقاعد، وأن الرأس هو من يجب أن يترأس طاولة الطعام ويستأثر بالأريكة الوثيرة في غرفة الجلوس..

وأن الثلاجة للماء والطعام .. وربما للأعصاب والمشاعر، لكنها قطعاً ليست منتجعاً صيفياً للعبتي “هالة”وفساتينها التي أخيطها بيدي الخرقاء..

تعلمت أخيراً أن السرير ليس لأحلام سندريلا، ولا لانتظار أمير ينهي الشقاء بقبلة نقية.. لكنه يصلح غالباً للأرق والنزف.. وغرس دموع جديدة على الوسادة كل حزن.

ولأنني كبرت صغرت الأماكن.. لم تعد تتسع الخزانة لعبثي بثياب أمي وحمرة شفاهها، لم أعد أستطيع الاختباء تحت السرير من محمود المليجي غول طفولتي.. ولم يعد خاتمي الفيروزي يدخل إصبعي لأفركه ويظهر لي جني ضخم طيب القلب.

ولأنني كبرت تغيرت الأشياء.. لم تعد كتبي ملونة، لم تعد قوافل مؤن النمل تغريني بالمراقبة، لم أعد أجد وراء الستارة مسرحاً يتسع لغنائي: “لأجلك يا مدينة الصلاة..أصلي”.. 

لم أعد أغني.. ولم أعد أجد ما أقوله للنهر .. 

حتى النهر صار عن يدي أبعد..

وقبل أن أدرك تحولت حياتي إلى قطع متساوية من الزمن، متشابهة كحبات كرز في صندوق خشبي صغير, قد يكون بعضها أصغر أو أكبر، ربما كان لونها أسطع أو أدكن، لكنها كلها متماثلة في النهاية.. بالمذاق نفسه والنكهة ذاتها..

هربت من سريري المزدحم بالبكاء أمس.. ركلت الرأس عن مكانه على الأريكة ونمت..

وحلمت.. بأني ألبس ثوبي الأبيض القصير، وخصلات شعري المجنونة هاربة من العقدة، وأصابعي بخاتمها الفيروزي ترسم على الجدار شجرة كرز كبيرة بعناقيد حمراء وسوداء وصفراء.. رسمت الجذع ورسمت الأغصان والأوراق، وبدأت أرسم الكرز.. وأرسم .. وأرسم.. وكلما رسمت حبة كرز تنفر من الجدار ..فأقطفها.. أبتلع البذرة وأرمي الثمرة.. وحين صرخت جدتي بدهشة من وراء نظارتها ورفعت في وجهي سبابتها صحوت من النوم.

اليوم، شعري يطول من جديد وسأضفره وأعقد فيه عقدة زرقاء، أصابعي ملوثة بمزيج من تلوين وشوكولا وعبث، النقود في جيبي تحولت بأعجوبة إلى قطع حلوى.. و”هالة” تنام مع ملابسها الجديدة في درج الثلاجة.

انكسرت نظارتي..ضاعت سلسلة المفاتيح..

والبذرة تنتش في روحي.. وتكبر.. وتزهر .. وتثمر..

عناقيد الكرز الثلاثية تنبع من أغصانها وكأنني مازلت أرسمها على جدران الأحلام.. وسأبقى أبتلع بذور الكرز بين الحين والحين..

الأشجار الصغيرة آتية.