باسمة الجزايري: معرض دمشق الدولي

معرض دمشق الدولي

باسمة الجزايري

كل الولاد لهن عيدين، إلا أنا وأخواتي، أعيادنا 3: العيد الكبير والعيد الصغير والمعرض. معرض دمشق الدولي. كنا ساكنين بالحلبوني على مسافة 5 دقايق مشي من المعرض. وأنا من وقت بيجي الصيف وبتعطل المدارس ببلش راقب أرض المعرض لشوف إذا بلشت الاستعدادات ولا لسه.. وبس تبلش بقلق، بحس الشغل بطيء وبخاف يصير الموعد وما تخلص التجهيزات. وبالفعل، دائماً كان يصير الافتتاح ولسه الشغل مو خالص، والآلات والشمينتو والرمل لساهن عالأرض، وكأنوا المسؤولين ما كانوا يحفظوا هالدرس كل سنة. بس مع هيك يصير الافتتاح بالموعد المحدد وما يصير يلي كنت خاف منه، وهو أنو يتأجل المعرض مثلاً أو يلتغى كش بره وبعيد.

يوم الافتتاح الرسمي وقص الشريط مو مسموح الدخول إلا للوفود الرسمية والمحظوظين يلي توصلهم بطاقات دعوة، ونحنا الشعب لازم نستنى لتاني يوم. مع هيك ما كنا نمرق اليوم شلون ما كان. تحمص أمي بذر أسود وتطالعنا عالأسطوح لنتفرج عالألعاب النارية يلي بس نشوفها نتأكد أنو المعرض فتح وبدا العرس.

من أول يوم بيصير فيه المعرض للناس ولآخر يوم ما بنعود نروح أي مشاوير تانية. تلبسنا أمي أحسن تيابنا وتستنى لحتى الشمس تقفي ونتدرج تمشاية عالمعرض. كنت حس الطريق طويل ما عم يخلص، وصوت فيروز عم يناديلي من مكبرات الصوت حتى أستعجل. وبس نوصل وشوف الصف الطويل يلي واقف على دور قطع التذاكر يجي ليغط على قلبي، لأن الدور واصل من الكشك يلي بلزق التكية لعند باب المعرض عالصف التاني من الشارع، يعني لسه بدي أستنى لنقطع. وقّف جنب الباب الرئيسي أتفرج عالنوافير يلي لساها بيضا لأن الشمس ما غابت والأضوية ما شعلت، وحس متل اليتيم يلي شايف الولاد بالعيد من بعيد.

لما توصل أمي ومعها التذاكر أتنهد، باقي علينا معركة الفوتة من الباب الأولاني والتاني بعجقة متل عجقة يوم الحشر، بس هانت، كل خطوة عم تقربني أكتر، وقت أوصل لجوه حس الدنية مو واسعتني، ما بنسى هديك الفرحة يلي بتخلي القلب يشهق والرجلين تنط والروح تطير، خاصة لما بيحمل الهوا رشات المي من النوافير لوشي وبيخليني أشهق بفرح ما بيعرفه إلا طفل بمرجوحة العيد.

كانت أرض المعرض كبيرة وواسعة، تبلش من جنب المتحف الوطني هييييييييييك لساحة الأمويين، تخيلوا أديش كان كبير وعملاق بالنسبة لطفلة صغيرة، وأديش كان حلو، ناس وولاد ونوافير ملونة وساحات وزهور، ومكبرات الصوت عم تلعلع شي فيروز شي عبد الحليم، وعربايات الذرة والبوظة أمية، وولاد عم يبيعوا كاظوظ بسطول فيها مي وتلج، وعربايات بوشار، وأكشاك تبيع فلافل.. والكراسي الخشب الطويلة عم تنغل نغل بالناس جوه المعرض، والكراسي الخشب الطويلة على ضفة بردى برات المعرض عم تنغل أكتر بنسوان ورجال وولاد عم يتفرجوا عالنوافير ومكتفيين بالفرجة من بره. يا الله شو كنت أزعل عليهن. كان يتهيأ لي أنهم حتماً ما معهم يدفعوا حق التذاكر ليفوتوا. وأنو أكيد قلبهن محروق من الحسرة.

تختار أمي كرسي تقعد عليه بشي ساحة وننبحت نحنا من جناح لجناح، نفوت نتفرج ونرجع لعندها حاملين شكالات ومجلات وبروشورات يوزعوها بالأجنحة مجاناً عالزوار ونفرح فيها لسبب ما حدا بيعرفه غير الله

نحطهن بحضنها ونرجع نلم غيرهن مع أنهن بأقل من 24 ساعة بتكون أمي نيمتهن بتنكة الزبالة. وبس نخلص دوارة بالأجنحة ولملمة تذكارات منسية سلفاُ ننتقل نحنا وماما لكرسي جديد وأجنحة جديدة.

كنا أحياناً لما نرجع لعند أمي نلاقيها يا التقت بحدا بتعرفه بالصدفة يا تعرفت على نسوان وقاعدة عم تاخد وتعطي وتحكي. والطفل سريع كتير بإنشاء صداقات جديدة مع الأطفال التانيين، بخمس دقايق بيصيروا كأنهم عايشين كل عمرهم سوا. بيحبوا بعض وبيلعبوا وبيتخانقوا وبيتصالحوا، ولما بيصير وقت الفراق بيمشوا رضيانين بدون لا وجع ولا من يحزنون.

ما كان في أكرم من أمي بالمشاوير، من لما نفوت لوقت نطلع ما يهدا تمنا، درة وبوشار وبوظة وفلافل، كل شي بنطلبه بتلبيه إذا معها مصاري، لهيك ما تخلي شي بخاطرنا، مسرح عرايس، كنافة نابلسية ما عدت دقت أطيب منها بحياتي. وبس نوصل لسوق البيع مستحيل ما نشتري بسكوت غراوي بعلب كرتون على شكل شنتاية، وقمر الدين ملفوف على شكل أصابع. ولما يتمسى الوقت ونمرق من جنب مسرح المعرض وأسمع صوت فيروز حس بغصة بقلبي لأنها الحلم الكبير المستحيل. عمري ما طلبت من أمي تاخدني على حفلاتها، لأني بعرف أنو تذاكرها أغلى من إمكانيات أمي المتواضعة.

وهيك.. نضل بين حديقة الألعاب الصغيرة والأجنحة والنوافير والبحرات، وزي الهوى وسواح عبد الحليم لتصير الساعة قريب الـ11. نكون أنا وأخواتي فنينا من التعب، وخفت العجقة كتير، وصارت قرصة برد خفيفة بعد ما إجا آب والصيف عاب، وفتنا بإيلول ودنبه المبلول. تاخدنا أمي وتتدرج فينا عالبيت ورجلينا ما عم تشيلنا. ونغني كل مشوار الرجعة يلي يصير طويل ونحس الطريق ما عم يخلص، بس بدنا نوصل عالبيت وفوراً على تخوتنا.

بعد طلاق ماما وبابا ولما انتقلت الحضانة لأبي سكنا أنا وأخواتي بنفس البيت بالحلبوني مع ستي أم أبي. بأول معرض بعدها ضلينا نتدخل على تيتة أيام لتاخدنا عالمعرض. وافقت على مضض، ومشينا نفس الطريق، بنفس اللهفة. ولما وصلنا أخدتنا ستي وقعدتنا عالكراسي الخشب الطويلة برات المعرض مشان نتفرج عالنوافير. وكانت هالروحة آخر روحة لي عالمعرض بطفولتي.

بعد ما كبرت وتجوزت أخدت أنا وجوزي الولاد مرة يتيمة عالمعرض، بس لقينا لا الدنية دنية ولا الناس ناس، ولا المعرض معرض، وكانت مرة والتوبة.