إبراهيم الجبين: المرأة.. عمود الرخام السوري

بقلم: إبراهيم الجبين*

سألتُ المؤرخ السوري الكبير محمد محفل، قبل سنوات، وكان ضيفي في برنامجي “علامة فارقة” البرنامج الذي أوقفه النظام السوري ودخلت السجن بسبب إحدى حلقاته. سألت المؤرخ الصديق: لماذا تماثيل الآلهة القديمة في مصر عملاقة، وفي سوريا تعادل الحجوم الحقيقية لقامات البشر؟ وكنت قد طلبت من مخرجة البرنامج منال صالحية التي حازت جائزة الإيمي قبل سنوات وسلمها إياها روبيرت دونيرو في نيويورك، أن تقبل بتصوير هذه الحلقة تحديداً في مكان غير مألوف. فسألتني: كيف؟. قلت: سآخذ ضيفنا المؤرخ إلى الماضي السحيق، إلى قبر مؤرخ تدمري اسمه يرحاي تحت الأرض بعشرة أمتار. وهكذا كان.

كان جواب محفّل لافتاً. قال: إن السوريين اعتادوا في الماضي على أن يكون لهم الحق في ممارسة السياسة، وهذا بادٍ في معنى كلمة مواطن التي كانت تطلق عليهم قديماً، وبالتالي فلم يرَ الواحد منهم أن هناك أي فارق بينه وبين الملك الإله. على النقيض من المصريين الذين قامت حضارتهم الفرعونية على تعظيم الفرعون وتضخيم تصويره وتجسيده، مقابل تصغير الإنسان وتحقيره. ولذلك كان في مصر “عبيد” وفي سوريا “مواطنون”.

ولم يتزحزح هذا الجواب من ذهني لحظة واحدة، منذ ذلك الوقت وحتى هذه اللحظة التي اكتب فيها عن المرأة السورية، التي تجسد المعنى العميق لاختلاف السوريين عن غيرهم من الأمم. إذ لولا الرحم الأولى التي نشأ فيها الإنسان السوري لما تشرّب سماته الأصلية وميوله والنزق الذي يحكم مزاجه.

ولن أعود إلى عصور سحيقة لأستحضر عطر المرأة السورية التي أصرت على يفوح في مجتمعها على الدوام، فيكفي أن المرأة السورية كان لها الحق بالتصويت والانتخاب منذ العام 1920 وفق دستور المملكة السورية الذي أعلن آنذاك، أي قبل أن تحصل المرأة الأميركية والفرنسية على ذلك الحق. وكان في تلك الحكومة التي أصدرت ذلك الدستور طبيب وسياسي دمشقي وزعيم عربي علماني كبير هو عبد الرحمن الشهبندر، الذي طالب بالتجديد والإصلاح الجذري، وتحرير المرأة السورية وتعليمها، وهو الذي خرجت مظاهرة نسائية في شوارع دمشق احتجاجاً على اعتقاله. وقد نص الدستور في المادة العاشرة منه على أن : السوريين متساوون أمام القانون في الحقوق و الواجبات .أما المادة الحادية عشرة فنصت على أن: الحرية الشخصية مصونة من كل تعد ولا يجوز توقيف أحد إلا بالأسباب و الأوجه التي يعينها القانون.

وفي دمشق التعدد وحلب الرفاه وتدمر زنوبيا ودير الزور ماري وحماة أفاميا وحمص جوليا دمنا وشهبا فيليب العربي وأمه وغير تلك المناطق ونسائها، أعمدة من رخام نقشت عليها تقاليد السوريات، والمنهج الأخلاقي الذي مشين عليها آلاف السنين، سواء في دقة التفكير أو في أناقة النظر إلى الحياة.

واليوم في الانتفاضة السورية، تزداد حاجة المجتمع السوري إلى التأكيد ليس على مكانة المرأة، بل على ضرورة وجودها كعامل صقل دائم للسلوك العام والفردي تجاه كل القضايا.

فالموقف من القضايا التي تخصّ النساء يعتبر، إحدى الركائز المحورية في المشروع العلماني والمشروع المدني إن صح القول.

ومن خلال موقف هذا التيار أو ذاك من المرأة يمكنك أن تفهم كيف ينظر إلى الحياة، وإلى قضايا العدالة والمساواة والحرية والتعددية.

وقد قرأت مؤخراً أن هايدغر الفيلسوف الألماني الوجودي الكبير ملّ الحياة مع زوجته فعاش في علاقات غير شرعية مع تلميذاته وغير تلميذاته، كما نشرت دار شبيغل الألمانية في أحد أعدادها الأخيرة، في تحقيق موسع عن عنه، ومن هؤلاء النساء الباحثة الفلسفية اليهودية حنّة أَرْندِتْ التي كانت إحدى تلميذاته. وتقول المجلة إن زوجة هايدغر اضطرت للاعتراف بهذه العشيقة وللتعايش معها في آن.

يقول الباحث جهاد فاضل في مقال له عن تحقيق الدير شبيغل “لقد عاشت زوجة الفيلسوف الكبير حياة بالغة القسوة لكثرة علاقاته النسائية، وكتبت في رسالة حزينة: كيف مزقت ذاتي التي كان عليها أن تتحمل هذه الإساءات اللاإنسانية بسب إخلاصها لك. وذلك ليس لمرة واحدة فقط، بل لمرات عديدة متكررة طوال أربعة عقود. هل باستطاعة إنسان، إن لم يكن شجراً أو سطحياً، تحمّل هذا؟ دائماً تقول وتكتب أنك مخلص لي ومرتبط بي. ما هذا الرباط؟ إنه ليس الحب، وإنها ليست الثقة. أنت تبحث عن وطن عند النساء الأخريات. يا مارتن! هل تعرف ماذا يوجد في داخلي؟ وهل تدرك كم هي موحشة، جامدة، ومثلجة، أعماقي؟” بالمقابل فإن العنف الذي تتعرض له المرأة يومياً بالحديث عن حوريات الجنة في أحلام المؤمنين المتشددين، عنف لا يقل عن ذاك الذي شعرت به زوجة الفيلسوف الوجودي غير المتدين.

كذلك الأمر مع المفكرة الفرنسية سيمون دي بوفوار التي نشرت الصحافة الفرنسية، بمناسبة مرور عشر سنوات على وفاتها، مراسلاتها مع حبيبها الأميركي نيلسون الغرين. فقد كتبت إليه بعد عودتها من الولايات المتحدة إلى فرنسا “إني مستعدة لأن أطبخ لك يومياً، وأن أكنس المنزل، وأغسل الصحون. أريد أن أكون لك زوجة عربية مطيعة”.

هذه كلها علامات وإشارات إلى اللحظة التي نحن فيها، والتي توجب علينا أن نتحرر نحن قبل أن نطالب بتعزيز مكانة المرأة، من كل عقدة تعرقل نظرتنا إلى الإنسان بصورة عامة، سواء كان ذكراً أم أنثى. ومن هنا تعود المرأة لتشغل دور ربة العدل، كما في الثقافات السورية العريقة، وميزان التمييز ما بين الجهل والنور، والتقدم والتخلف، سواء شاركت في عملية الرصد أو لم تشارك، فالموقف منها كما قلت سابقاً، هو المعيار.

*كاتب وإعلامي سوري يقيم في ألمانيا