الكاتبة ديمة ونوس: المرأة أشجع من الرجل وأكثر جرأة في التعبير عن نفسها

باتت المرأة السورية هي العنصر الأكثر تضرراً خلال الحرب السورية، إلا أنها ومع كل ما تواجهه من مشاكل ومعوقات، أثبتت للعالم أجمع أنها أهلٌ للمسؤولية، في أقسى ظروف الحياة، وليس على مستوى أن تكون ربة منزل فحسب إنما امرأة في كلّ مجالات الحياة، وعنصراً فعّال قادرة على ترك بصمة خاصة لها في أيّ عمل تعمل به.

صوت سوريات تلتقي الكاتبة ديمة ونوس للحديث عن دور المرأة السورية:

هل تعقدين بأنه خلال السنوات الماضية تم تسليط الضوء بشكل المطلوب على مشاكل المرأة والطفل في سوريا؟

بالتأكيد هناك جمعيات ومؤسسات مدنية سورية، قامت وتقوم بجهود جبّارة خاصة في الداخل السوري، لتسليط الضوء على وضع المرأة السورية. إلا أن المشكلة أعقد برأيي من وضع المرأة.

الشعب السوري يتعرّض للإبادة بوحشية مطلقة، يعيش منذ ست سنوات ما لم تعشه شعوب الأرض مجتمعة ربما! انطلاقاً من هذا الإجرام الذي لم يكن له مثيل في التاريخ، قد يصعب الحديث عن المرأة السورية بمعزل عن الرجل. ثمة إنسان سوري محاصر، ضحية هشّة لطغاة يتبارون بمقدار الوحشية والعنف، إنسان عاجز عن تغيير مجرى الأحداث وعن امتلاك خياره في البقاء أو الرحيل. إضافة إلى أن المرأة تدفع الثمن مرّات أكثر من الرجل، ولا يتعلق الأمر هنا بالشرق والغرب، بالحضارة والتخلّف، بل بحقائق ووقائع وظروف. المرأة عامة، أشجع من الرجل وأكثر جرأة في التعبير عن نفسها، وأقل خشية من تداعيات ردّ فعلها.

وضع المرأة السوري أكثر تعقيداً اليوم من وضع أي امرأة أخرى، هي ضحية الترك والفقد والابتزاز الجسدي والمعنوي، المرأة أم، إلا أنها في سورية، ليست مجرّد أم، إنها أم لقاتل أو مقتول. كما يقول المفكر اللبناني فواز طرابلسي في أحد كتبه، يصعب في مكان أن تعرف الأم ما إذا كانت تفضّل أن تكون أمّاً لقاتل أو أمّاً لمقتول! في مكان آخر، ليست العلاقة المصيرية هذه بين الأم والابن، بهذه البساطة أو البديهية، لأنها تجعل من السياسة مجرّد محاولات خائبة ورخوة وغير مجدية، كما أنها تجعل من المستقبل مكاناً محفوفاً بالشقاء، إذ كيف لأم شهيد أن تستعيد علاقة طبيعية مع أم قاتل، حتى وإن لم يكن هو قاتل ابنها، في المقابل، لا نعرف إن كانت أم الشهيد تفضّل لو كان ابنها القاتل بدل أن يكون الضحية، وتفقده وتفتقد له وتشتاق إلى رائحته ويقتلها الحنين إلى لمسه للحظة واحدة فقط! صعوبة أخرى تتبدّى في الحديث عن المرأة السورية، إذ كيف بإمكاننا الحديث عن امرأة سورية بصفة عامة؟ ليس هناك امرأة سورية ولا طفل سوري ولا رجل سوري، ببساطة لأنه لا يمكننا الحديث اليوم عن شعب سوري واحد، هناك طرفان أساسيان في المعركة، هناك شعب قاتل وشعب مقتول، هناك الجلاد والضحية بكل ما تمثّله هذه الجملة من بساطة وتنميط، المرأة السورية، أم لقاتل أو أم لقتيل، وأيضاً هي في السياسة قاتلة أو قتيلة! نرى دور بعض النساء اللواتي لا يتردّدن في ادعاء معارضتهن للنظام المجرم، إلا أنهن في العمق، متواطئات مع آلة القتل، ومستفيدات من الدم السوري، مثلهن كمثل الرجال. تلك الأسباب مجتمعة، تجعل من الصعب الحديث عن وضع المرأة السورية بمعزل عما يحدث كل لحظة في الداخل السوري أو في الخارج.

ماهي أبرز المصاعب التي تواجه العمل الصحفي في ملف المرأة السورية؟

أيضاً، نعود هنا إلى النقطة السابقة. ملفّ الصحافة بشكل عام يواجه الكثير من المصاعب إن كان في تغطيته لوضع المرأة أو لوضع الرجل أو لوضع أي كائن سوري في الداخل. لا يمكننا الحديث عن مصاعب تواجه الصحافي في الحديث عن المرأة بشكل منعزل عن الرجل. إلا أن اللافت، هو تخطي الكثير من النساء السوريات حاجز الصمت والخجل والانكفاء بعد الثورة السورية. باتت المرأة أكثر قدرة على إطلاق صوتها والتعبير عن إمكانياتها وأفكارها. ولم يكن الرجل هو سبب ذلك الانكفاء دائماً! النظام هو المجرم الأول الذي جعل أكثر من ٢٠ مليون سوري، غير قادرين على التعبير عن أنفسهم، حوّلهم إلى نسخ متشابهة، رخوة، منكفئة على هواجسها، حبيسة الخوف والقلق والكآبة والإحساس بالفراغ واللا جدوى. اختلف الأمر بعد الثورة، وبات طفل في السادسة من عمره، قادر على التحدث أمام عدسة الكاميرا غير عابئ بأحد. التحدّي الذي يمكن أن يواجه الصحافة في سورية، وخاصة في موضوع المرأة السورية، هو الصحافة الاستقصائية والتوثيقية. في بلد حوّله وحوش الأرض إلى مسلخ، يصعب على الصحافة أن تكون عدسة كاميرا حيادية، تراقب الجلاد كما تراقب الضحية، وتوثق للقاتل وللقتيل معاً، وتحكي قصّة الأم التي فقدت ابنها في معارك شارك فيها ضد “الإرهاب”، وقصة الأم التي رأت ابنها ينازع لالتقاط كمشة أوكسجين بعد أن ضربه الكيماوي، أو قتله البرميل أو القصف أو تحت التعذيب! لا يمكن للصحافة اليوم أن تساوي بين كل النساء السوريات. واجب الصحافة اليوم أن تكون طرفاً، وان تتخلّى ربما عن الكثير من المبادئ المتعارف والمتفّق عليها. للقاتل صحافته وللمعارضة صحافتها.

من خلال تجربتك بالعمل الصحفي ماهي أبرز قصة لسيدة سورية ماتزال عالقة في دهنك؟

لن أنسى في حياتي تلك المرأة الشاردة التي التقيتها في منطقة البقاع في لبنان قبل ثلاث سنوات ونصف. كتبت عنها أكثر من مرة في محاولة لإخراج ذلك الإحساس الفائض بالعجز، إلا أنه يلازمني باستمرار. امرأة ثلاثينية، طويلة القامة، نحيلة، تقف بعباءتها البنّية رافعة رأسها إلى الأعلى، حاملة طفلها البالغ من العمر عام ونصف تقريباً. رحت أقترب منها، ظننت أن عينيها تنظران إلى عينيّ. ابتسمت لها. أقترب أكثر فأكثر حتى وقفت قبالتها بالضبط. تفصل بيننا ذاكرة غير مرئية. قد تبدو الذاكرة تلك مشتركة، تختصرها كلمة “كيماوي” اللعينة. إلا أنها ليست مشتركة على الإطلاق. تلك المرأة عاشتها، شمّت رائحة الكيماوي، تعرّقت، هرولت مع الهاربين من الموت، أحرقتها عينيها وسالت دموعها من دون بكاء. بينما شاهدت تلك المشاهد عبر شاشات التلفزيون وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، توهّمت تلك الرائحة ودمعت عيني من البكاء وليس بفعل تسرّب الكيماوي إلى رئتيّ. أطلت النظر في عينيها. عيناها تحدّقان في الفراغ. كنت أنا، التي تقف قبالتها، فراغ. عبري، تستطيع النظر إلى ذلك الماضي القريب، تستطيع اختراق جسدي لترى ذلك المشهد المريع عندما خرجوا من بيوتهم راكضين إلى المجهول، هاربين من الموت اختناقاً. سألتها عن اسم ابنها الذي تحمله. سؤالي لم يقطع شرودها. فهي ستظلّ غارقة في ذلك الفراغ. أجابتني: عمر. ابتسمت لها. لكنها تابعت: عمر هو الأخ التوم لابني الثاني عبد. بس عبد نسيته هناك. كنا عم نركض مستعجلين، حملت عمر ونسيت عبد. ما بعرف وينه. أنهت قصّتها هنا. كيف لنا أن نستوعب كل هذا الألم؟ نحتاج إلى حمل أرواح ملايين السوريين خلف أضلاعنا، لننجو من الجنون. لسنا قادرين على استيعاب هذا الكم من الألم والدمار بأجسادنا وأرواحنا الهشّة.

ديمة ونوس كسيدة سورية، كيف أثرت سنوات الحرب على شخصيتك؟ ماهي أمنيتك اليوم؟

مثلي مثل كل السوريين، كانت الثورة حافزاً بالنسبة إلي لأكتشف نفسي أكثر، لأحترم خياراتي، لتختلف أولوياتي وهواجسي وأحلامي. النظام السوري جعلنا مرضى. كل سوري كان يشعر أنه ملاحق ومراقب. كل سوري مذنب وكل سوري يمثل قضية بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية. الثورة وإن سبّبت لنا أمراضاً أخرى، إلا أنها أعادتنا إلى المكان الصحيح الذي يليق بأي إنسان. أنا مهمة لأنني أصنع خياراتي، وأعمل على مشاريع أحبّها، وليس لأنني أشكل “خطراً” على أمن الدولة، وليس أيضاً لأنني جريئة بأفكاري المعارضة للنظام، وليس لأنني أكتب في صحف لبنانية متجاوزة الخطوط الحمراء. أعادتنا الثورة إلى موقعنا الإنساني، وصرنا مطالبين بجهد أكبر لنكون مواطنين منتجين وليس مجرد قضية وهمية وعبثية.