الروائية ماجدولين الرفاعي: سنابلُ فوقَ الجِباه

سنابلُ فوقَ الجِباه

كنتُ أهدهدُ جنينَكَ كلَّما تحرَّكَ في أحشائي سائلاً عنكَ ،كلُّ حَرَكةٍ منهُ كانتْ توقظ ُ وجعِي وتؤرقُ نومي فكيفَ أشرحُ له عُمقَ ألمي ومرارَة َالعَلقمِ في حَلقي كيفِ أجْعَلُهُ يغْفُو وأنَا أمَدُّه ُمن حَبلِهِ السِّري بِحُزنٍ سَرمديٍ يَأكلُ حشاشَةَ كَبِدِي ويُحِيلنُي إلى زورقٍ ورقِيٍّ يتهادَى في لُجةِ بحر ٍيُصارعُ النَّوَ ويبتلعُ الزّبدَ .

وجهُكَ داخلَ إطارِ الصُّورةِ المُعَلقةِ على الجِدارِ سَيَّالٌ عَصَبيٌ يَمدُّني بَعضَ الأحيانِ بالقُوّةِ فأتمساكُ وأعوذُ باللهِ من شَرِّ يَأسٍ يَمتشِقُ سَيفَهُ كَلَّما وَهنَتْ قِوُاي ويَقطعُني أرَبَا، مّنْ قالَ إنَّنا ملائكةٌ نلوْكُ الحُزنَ ثمَّ نبتسمُ برضا؟

ما الذي يجعلُني أنسى رَهْبَةَ اللحْظةِ الأقسَى في مَتَاهَاتِ عُمري المَكْلُومِ حينَ بكلِّ وقاحةٍ شَدُّوكَ عُنوةً من مقعدِكَ إلى جانبي في الحَافلَةِ وبدأوا بضّربِكَ وركْلِكَ، وكَيلَ آلافِ الشَّتائمِ المُخجِلَةِ ، لم يقتنعوا أنَّ هُويتكَ الشَّخصيةَ سقطتْ في الغَسَّالة سَهوا وأنَّ ما عليها من عُيوبٍ سَبَبهُ ُفوضويُّةُ زوجةٍ جديدةٍ كانتْ في المدرسةِ قبلَ أنْ تتزوجَكَ مُدَّللةٌ عندَ أهلِهَا لذلكَ لمْ تتعلمْ بعدُ أسرارَ ربَّاتِ البيوتِ ولاتحسنُ التَّعاملَ معَ الأشياءِ المنزلِيةِ ، ضروبُكَ أمامي ولمْ تنحنِ كي تثبتَ لهُمْ أنَّك كبيرٌ لاتنكسرُ ولتتثبتَ ليْ أنَّك قويٌ كما أعرفُكَ وكنتُ أعرفُ أنَّ قلبَكَ كانَ يَبكي لانكسار كبريائِكَ وانهزامِ كرامتِكَ أمامَ عُنْجِهيتِهِم وحقدِهم ليتني وقفتُ في وجهِهِمْ وليأخذُوني بدلاً منك كانَ عليَّ أنْ أفتديكَ برُوحي لكنَّ اللحظاتِ المُرِيعةَ شلتْ حركَتي وكَبلتني الفَجيعةُ فبقيتُ في مَقعدِي أتابعُ غيَّهُم وهُمْ يُوثِقون يديكَ إلى الخلفِ ثمَّ يرْكلِونَكَ إلى داخلِ سيارتِهِم وأنتَ مُطمشَ العَينينَ صرخت ُبقوةٍ توسلتُ إليهم أنْ يتركُوكَ قلتُ لهم إنني حُبلى وأنّ طفلَكَ في طريقِهِ اليكَ لكنَّهم جبابرةٌ كانتْ نظراتُهِمْ قاسيةً وحقدُهُم أعمى فاقتادُوكَ وتركُونِي في لجةِ فوضى الأحاسيسِ والمشاعرِ تركوني وحيدةً مع جنينٍ مازالَ في طورِ التَّكورِ والنُّمو وعدّتُ إلى البيتِ وحدي بظهرٍ محنيٍّ ووجعِ عِصيِّهم التي ضربُوكَ بها يلسعُ جسدي ويهدُّ حيلي. 

انتظرتُكَ طويلاً على مفّارقِ الأملِ على رغمِ ضحالةِ الأخبارِ عنكَ قالوا إنكَ في المخابرات الجوُّيّةِ ثمَّ صححُوا الّمعلومةَ وقالوا إنَّك في سجنِ صيدنايا، لا أنتَ في فرعِ الفيحاءِ، كنتُ أعجزُ عن ُالشّرحِ لهم أن لا فرق بين الفروعِ فكلُّهم من حُثالات البَشرِ وأنَّ التَّعذيبَ على أياديهِمْ يشبهُ الموتَ بينَ المطرقةِ والحَجرِ ، صدِّقني كنتُ أسمعُ صوتَكَ وأنتَ تزلزلُ جدرانَ معتقَلِكَ بالصُّراخِ والوجعِ، كنتُ أشمُّ رائحةَ جِلدِكَ المَشوِي حينَ تهوي السِّياطُ عليهِ حَارة ًكالجَمرِ فيتحرَّكُ ابنُكَ في بَطنِي وَيَمُدني بالصَّبر ِلا بلْ يَمدُّنيّ ّبالأملِ فأجولُ في أحلاّمِ اليقظةِ غزالةً سارحةً، غداً تعودُ إلينا سالماً وننعمُ بالحُبّ مثلَ كلِّ البشرِ وتدخلُ معي غّرفةَ الولادة َقد لا يسمحون لكَ لكننَّي سأكونُ عنيدةً في إصراري وسأمسكُ يدَك َكي ُتمدَّني أصابعُكَ القويةُ بقوةٍ تجعلنُي أحتملُ آلامَ المخاضِ منْ لي في لحظةِ الولادةِ أقربُ منكَ ومنْ سيُكبرُ في أذنِ المولودِ إلا أنتَ ومنْ سيفرحُ بأمومتي اّلاّ أبٌ يكونُ ذاتَكَ أنتَ؟

جنيني قرّرَ القُدومُ إلى الحياةِ قبلَ شهرٍ من موعدِهِ ربَّما ليثأرَ لكَ فقد سلَّمونا اّليومَ هُويتَّكَ المشوهَةَ وساعةَ َاليدِ واحتفظوا بجثَتِكَ ربَّما يخافونَ إنْ احتضنَا جَسَدَكَ أو قبّلْنَّا جبَيِنَكَ أنْ يُزهرَ الورْدُ وتنبتَ السَّنابلُ فوقَ جبهةٍ عريضةٍ لم تعرفِ الّسِّجودَ يوماً إلا للرب.

يذكر، أن قصة “سناُبلُ فوقَ الجِباه“ للكاتبة والروائية “ماجدولين الرفاعي”، قد ترجمت للغة الهولندية في العام 2017، بالإضافة إلى بعض الكتابات الأدبية والقصص حيث ترجمت للفرنسية والانكليزية والايطالية، وصدر أيضا للكاتبة في العام 2017 “انطلوجيا مشتركة“ بعدة لغات حملت اسم ( عزف على وتر البلاد) حيث أنها جمعت العديد من القصائد وبلغات مختلفة، وشارك بها مجموعة من الكتاب.