د. يحيى العريضي: أميَّ العظيمة

د. يحيى العريضي

 

كانت آخر أمنية لها أن أكون حاضراً عندما يكون وداعها الأخير لهذه الدنيا. أمنية لم تتحقق؛ وهذا جرحني اكثر من أي مرارة عشتها خلال غربتي. فقدت الكثير، ولكن فقدها كان مختلفاً.

لم تكن تعرف القراءة أو الكتابة؛ لكن قدراتها الذهنية التحليلية كانت منارة أهتدي بها حتى لو وضعت مجلدات معرفية في ذهني. تعرف الصح من الخطأ؛ تملك عمق دراية بالحق والواجب؛ تمتلك منظومة قيميات خزنتها عبر موروثات نبيلة خزّنتها وحافظت عليها برموش عيونها الجميلة الجريئة. ليس الرجال قوامون على النساء بعقيدتها، ولكن لكل منهم وظيفة تكمّل الأخرى بلا زيادة أو نقصان؛ هكذا هو الخلق الحقيقي في ذهنها. الكرامة والشهامة عنوان حياتها؛ ولا يصح إلا الصحيح مبدأها.

كانت تقول “بيت رجال ولا بيت مال”. العلم بالنسبة لها يبني بيوتاً لا عماد لها. لخمسة كيلومترات تحت الثلج كانت تمشي على أقدامها لتوصل الخبز والتمر واللبن لأولادها في مدرسة المدينة. لا تريح من ليس الأول بين زملائه في اولادها.

فرحة كانت بعودتي بعد الدكتوراة والغياب الذي امتد لستة أعوام… فرحة لا كأم بعاطفتها الجياشة لرؤية ابنها، بل لقيميات ومعنويات عاشت لها: ابنها دكتور وأستاذ جامعي؛ وحالة فاعلة في البلد الذي تعتز بالانتماء إليه؛ سورية.

 كانت ترى في حافظ الأسد إسطورة تسلّط وسحق لكل سورية حتى يكبر ذلك المستبد. إن لم يقصِّر كل الأطوال، فلا يكون طويلاً، وإن لم يلغِ كل القيم، لا تسود خلبياته، وإن لم يرعب الجميع وينامون، لن ينام. هكذا رات حافظ الأسد. استبشرت بإبنه، ولكن بحذر؛ وكانت خشيتها طيف أبيه الذي لن يزيح عن صدره بسهولة؛ وكانت على حق. سألتْ إبني يوماً عنه. سألته لانها تؤمن بسليقيته ودقة أحكامه. وكانها كانت تعرف –أيضاً سليقياً- أن حكمي عليه سيكون عاطفياً. أخذت جوابها من حفيدها؛ وعززت نظريتها، بانه سيكون نسخة رديئة عن أبيه، حافظ. رأته في بيتها الشهم خلال زيارته لبلدتي البسيطة؛ فرحت، قلقت، حزنت؛ وكأنها استشعرت مستقبلاً سورياً قاتماً على يديه.

عندما قامت الثورة، كانت معها قلباً وعقلاً؛ ولكنها كانت قلقة. عرفت أنني في خضمّها؛ لم يفاجئها ذلك. لأول مرة أشعر أنها خائفة، وحزينة جداً. كانت تعرف أنني لن أبقى حولها. كان تمزقها بين بحور وعواصف من عواطفها ظاهر للعيان. إن خرجتُ من البلد، قد لا تراني ثانية؛ وستذهب أمنيتها ادراج الرياح؛ وهذا ما حصل.

كانت لحظة فراقها صعبة، ولكنها شجعت على الخروج خوفاً من الذل. فضّلت احتراق القلب على احتراق الكرامة والمعنويات. “مثلك لا يحتمل الظلم والاستبداد والاجرام”، قالت.

بقي فيها الأمل حتى اللحظات الأخيرة أن تنتصر الثورة ويزول الاستبداد؛ وأعود لأحضرَ لحظة الوداع الأخيرة ؛ وأكون هناك لتكتحل عيناها برؤيتي، ولأكون آخر ما تراه في هذه الدنيا. ذلك لم يتحقق لها. هي الشهيدة، لا أنا. نلتقي في عالمك الآخر، في فسيح جنان خالقك، أيتها العظيمة؛ أمي الجميلة.